لعبت البيئة دوراً أساسياً في حياة الإنسان, وكان للصراع الناشئ بين الإنسان مع قوة الطبيعة دور فاعل في نشوء وتطور الحضارات القديمة. وإذا كان الفن ذا علاقة وطيدة مع الحياة المعاشة في تلك الفترات الزمنية التي تنوعت فيها الأنماط والأساليب الفنية ضمن خصوصياتها البيئية المتنوعة.
وقد تناول البحث دور البيئة في تنوع أنماط فخار العراق القديم وعلاقة البيئة بالمنجز الفني الفخاري وتنوع أنماطهِ في العراق القديم .
وتضمن البحث أربعة فصول: عُني الأول منها بالإطار المنهجي للبحث, وأحتوى على مشكلة البحث التي تم فيها تسليط الضوء على مدى تأثير البيئة على المنتج الفني الفخاري, وعلاقة البيئة بتنوع أنماط المنتج الفخاري في العراق القديم, فضلاً عن أهمية البحث والحاجة إليه, وهدف البحث المتمثل بـ: تعرف دور البيئة في تنوع أنماط الفخار في العراق القديم، فيما أقتصرت حدود البحث على دراسة الفخاريات من المستوطنات الزراعية الأولى إلى نهاية العصر البابلي الحديث للعراق القديم. وقام الباحث بتحديد بعض المصطلحات وتعريفها.
أما الفصل الثاني فقد تضمن الإطار النظري الذي احتوى على ثلاثة مباحث: تناول المبحث الأول: البيئة في الحضارات العراقية, وتم تسليط الضوء على البيئات المتنوعة ذات (التراكيب السكانية, التنظيم السياسي, المعتقد الديني, والناحية الاقتصادية), فيما عُني المبحث الثاني بـ: النمط في الفن من خلال استعراض النمط الأسلوبي وآليات اشتغاله في الفن بصورة عامة. أما المبحث الثالث, فقد تناول فن (العمارة, النحت, الأختام, الفخار) وصولاً إلى المؤشرات التي أسفر عنها الإطار النظري. وانتهى الفصل الثاني بالدراسات السابقة, والتي لم يعثر الباحث منها على ما يقترب من دراسته بخصوص موضوعة البحث الحالي.
فيما اختص الفصل الثالث بإجراءات البحث, وقد ضمّن الباحث فيها مجتمع البحث بحصره بـ(91) أنموذجاً من أصل (324) أنموذجاً. وحصرت عينة البحث بـ(16) عينة(أنموذجاً) وقام الباحث بتحليلها على وفق المنهج الوصفي التحليلي.
وعني الفصل الرابع بأهم النتائج والاستنتاجات والمقترحات والتوصيات وقد توصل الباحث إلى جملة من النتائج أهمها:
1- ينشأ التعبير في أشكال الثقافة من البيئات المتصلة بها والمتباينة, سواء أكانت مادية أم فكرية.
2- حدوث تغيرات ثقافية هامة على مستوى الإنتاج الفني تبعاً لتغيرات البيئة الجغرافية والفكرية, وبالتالي اتجه العمل الفني اتجاهات عدة وبدرجات متفاوتة خالقة أنماطاً فنية على وفق البيئة.
3- كان لأسلوب التفكير التأملي الذي امتاز به العراقيون القدماء, الأثر الكبير في تحديد أساليب التعبير الفني, وصولاً إلى الأسلوب الرمزي في التعبير.
4- لكل عمل فني نمط معين من حيث السمات المختلفة, وقد تكون لبعض الأعمال الفنية سمات مشتركة تستند إلى المصادر ذات الأصول التي ترتبط بمتغيرات أما جغرافية أو زمانية أو مجتمعية أو فكرية.
وقد قدم الباحث مجموعة من الاستنتاجات بنيت على وفق ما توصل إليه من نتائج, والتي منها:
1- من استقراء أعمال النحت الفخاري المشخَّصة للشكل البشري والممثلة ما يعرف بتماثيل (الآلهة) بالاهتمام في الغالب منها أن لم يكن في جميعها فيما يخص النحت المدور وهذه سمة عامة شخصت النتاج النحت العراقي القديم وهو ما يعرف اصطلاحاً (Frontalitg) بالجانب الأمامي منها. فالغاية من تنفيذها بهذا النمط من التشكيل هو لغرض عبادي تعبدي تشد المتعبد/المتلقي نحوها, وكذلك الحال في التماثيل المدورة ذات التفاصيل الأمامية والخلفية لتؤدي الغرض الطقوسي التعبدي ذاته وهذا التشكيل بهذا النمط يجعل في الوقت ذاته قيمة جمالية علاوةً على القيمة التعبيرية التي تحددها طبيعة تنفيذها بهذا الوضع (المواجهة).
2- شكلت الأعمال المنفذة على هيئة حيوانات بفوهات عريضة نسبياً أعلى الظهر لأغراض طقوسية تُحمِّل المتعبد على اتخاذها كمباخر لحرق البخور فيها أو وضع الزيت للإضاءة ولأجل ذلك وضعت في أماكن العبادة لأمرٍ يتعلق بتسامي ما يظهر منها من دخان أو ضياء.
3- ظهور الأعمال المشتملة على موضوعات تتعلق بالاحتفالات كالعزف على آلات موسيقية تأكيد تجاوز الارتباط فيها من بعدها الديني إلى الاجتماعي والذي تفرضه طبيعة البيئة بجانبها الديني والاجتماعي بتداخلهما معاً تارة, وباستقلالية الموضوع المعبَّر عنه تارة أخرى بمعنى إن بعضها يتعلق بمراسيم المعبد الطقوسية التي تفرضها البيئة الدينية في ذلك, فيما يرى الباحث إن الميل في مثل تلك الموضوعات يميل إلى إفرازات البيئة الاجتماعية بطابعها المتعلق بعرفها الخاص أي ارتباطها بالجانب الاجتماعي المعاش أكثر مما هو ديني غالب كما ويرى الباحث في تصوير الموضوعات التي تمثل مراسيم الاحتفالات إنها دنيوية أكثر مما هي دينية.
4- ظهور أنماط من التشكيل لصور المتعبدين على أكثر من وضع كانت قد حكّمته البيئة الدينية لتظهر في كل مرحلة بنمط يختلف عن الآخر بحيث جاءت في بعضها رشيقة طويلة وفي أخرى ممتلئة وهي بظهورها رشيقة ممشوقة للدلالة على صفة جمالية معبرة عن البيئة المعاشة فيما يخص بعض الأعمال الفخارية فيما ظهرت الأخرى منها ممتلئة للدلالة على معنى الخصب وكمسحة جمالية معبرة عن الأنوثة العالية لدى الفكر العراقي ضمن ثقافتهم المجتمعية ضمن الفكر السائد ونظرتهم الخاصة في الأشياء