وإذ نصل إلى نهاية المطاف في بحثنا الموسوم (المسؤولية المدنية الناشئة عن النقل المجاني) وجب تسجيل أبرز النقاط التي توقفنا عندها أو التي تم تناولها بالنقاش والمعالجة, ونجمل النتائج التي تم التوصل أليها بالنقاط الآتية:
1. إن مفهوم النقل المجاني في القانون العراقي يختلف عنه في فرنسا, إذ يقصد به في الأخيرة النقل الذي ينعدم فيه المقابل النقدي أو الذي يكون فيه المقابل مصلحة يحصل عليها الناقل من وراء عملية النقل. أما في العراق فهو النقل الذي ينعدم فيه المقابل نهائيا سواء أكان مقابلاً نقدياً أم مصلحةً ماديةً, وهذا المفهوم للنقل المجاني موجود في بعض الدول العربية مثل مصر ولبنان وسوريا والمغرب.
2. لا تتمثل الأجرة في قانون النقل بالمقابل النقدي فقط بل من الممكن أن تكون المصلحة المادية مقابلاً يجعل من النقل نقلا بمقابل يخضع لأحكام المسؤولية العقدية, على عكس الحال في فرنسا, إذ يكون النقل الذي يكون فيه المقابل مصلحة يحصل عليها الناقل نقلا مصلحيا, وهو يعد صورة من صور النقل المجاني ويخضع لأحكام المسؤولية عن الأشياء.
3. هناك صورتان للنقل المجاني هي عقد النقل المجاني والنقل مجاملة. أما في فرنسا فإن الصورتين هما النقل المصلحي والنقل مجاملة, إذ يميز القضاء الفرنسي بين هاتين الصورتين على أساس وجود المصلحة في النقل, فإذا وجدت المصلحة كان النقل مصلحيا وإذا أنعدمت كان النقل على سبيل المجاملة. أما المشرع العراقي فأنه جعل أحتراف الناقل أساسا للتمييز بين صورتي النقل المجاني, فإذا باشر النقل ناقل محترف كنا أمام عقد نقل مجاني, أما إذا كان الناقل غير محترف كنا أمام نقل مجاملة وفي كلا الصورتين يجب أنعدام الأجرة النقدية أو المصلحة المادية.
4. لا يتفق البحث مع الآراء التي ذهبت إلى أنتقاد نص المادة (10/ثانيا) من قانون النقل النافذ بوصف صياغتها معيبة ومتناقضة, بل على العكس من ذلك وجد البحث إن صياغتها جيدة ومعبرة عن قصد المشرع المتمثل, بوصفه المصلحة المادية مقابل يعادل الأجرة ويحول النقل إلى نقل بمقابل.
5. إن مسلك المشرع العراقي في قانون النقل كان بقصد شمول أكبر عدد من الناقلين لأحكام هذا القانون, إذ أخضع لأحكامه كل ناقل يحصل على أجرة نقدية أو مصلحة مادية في النقل, سواء أمحترفاً كان أم غير محترف. كما أنه أخضع لأحكامه كل ناقل محترف سواء أحصل على أجرة أم لا. وبذلك لا يخرج عن نطاقه إلا الناقل غير المحترف الذي يباشر النقل من دون أجرة أو مصلحة مادية. لذلك تكون مسؤولية من تم ذكرهم عدا الأخير مسؤولية تعاقدية, فيسأل هؤلاء عن الأضرار التي تلحق بالركاب على أساس وجود عقد بينهما وفقا للمادة (10/أولا) نقل.
6. إقامة مسؤولية الناقل المجاني على أساس المسؤولية العقدية لا يصح إلا في الصورة الأولى لهذا النقل, وهي صورة عقد النقل المجاني, إذ أخضع المشرع هذه الصورة صراحة لأحكام النقل بمقابل, لذلك قمنا بدراستها في ضوء أحكام النقل الأخير. أما النقل مجاملة فلا يمكن القول بالمسؤولية العقدية فيه لصعوبة القول بوجود عقد بين الناقل والراكب مجاملة سواء أكان هذا العقد عقد نقل أم عقد من عقود التفضل أم عقد غير مسمى, وذلك لتقاطع النقل مجاملة مع أحكام العقد, لذلك لا يكون هذا النقل إلا عملا ماديا وبموجب هذا التكييف يترتب على الناقل مسؤولية تقصيرية عن الأضرار التي تلحق بالراكب من جراء النقل.
7. ذهبنا إلى تأييد الأتجاه الذي يرمي إلى إقامة مسؤولية الناقل في قانون النقل العراقي على أساس العهدة, لما يوافره هذا الأساس من حماية للراكب تفوق ما توافره الأسس الأخرى, كالخطأ في الحراسة أو نظرية الخطأ, لأن العهدة تمتد لتشمل حالات لا تشملها هذه الأسس كالحالة التي يحصل منها الضرر من دون تدخل أيجابي من الشيء, كما لا يكلف الراكب بأثبات الخطأ في جانب الناقل, وما ينطوي عليه هذا الأثبات من صعوبة. أما في العهدة فلا يكلف الراكب إلا بأثبات عقد النقل وأن الضرر لحقه أثناء تنفيذه.
8. لم يعد المشرع العراقي في قانون النقل الحادث الفجائي سببا لدفع مسؤولية الناقل, وذلك لأنه لا يعده من قبيل السبب الأجنبي, بل أكتفى بذكر القوة القاهرة التي تنتج عن عوامل خارجية لم تنبع من دائرة نشاط الناقل ولم يكن في الأمكان توقعها أو تلافي آثارها.أما ما ينتج عن نشاط الناقل فهو يتحمل مسؤوليته.
9. أقر المشرع العراقي في قانون النقل مبدأ التعويض عن الضرر الأدبي في المسؤولية العقدية الناشئة عن عقد النقل في الوقت الذي يختلف الفقه العراقي فيما بينه حول تعويض هذا الضرر في المسؤولية العقدية. ونتمنى أنْ يعمم المشرع العراقي هذا المبدأ ولا يقصره على عقد النقل فقط.
10. يشمل قانون التأمين الالزامي من حوادث السيارات رقم 52 لسنة 1980 جميع السيارات بالتأمين بمجرد وجودها على الأراضي العراقية وبغض النظر عن جنسية قائدها, كما أنه يشمل جميع الركاب بالتأمين سواء أركاباً كانوا بمقابل أم بدون مقابل, بل حتى الراكب المتسلل يستطيع المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي تلحق به, إلا أن القانون حدد جملة من الحالات إذا تحققت أحداها تستطيع شركة التأمين الرجوع على الناقل بما دفعته من تعويض للمضرور.
11. إقامة مسؤولية الناقل مجاملة على أساس أثبات الخطأ, ينطوي على عبء ثقيل يقع على عاتق الراكب لا ينسجم مع التطور الذي تشهده صناعة السيارات وكثرة الحوادث الناجمة عنها, والتي ترجع بسبب السيارة غالبا الأمر الذي يصعب معه أثبات خطأ في جانب السائق. كما أن القائلين بهذا الرأي لم يستندوا إلى أي أساس قانوني سوى التعاطف مع الناقل مجاملة بوصفه قد قدم خدمة مجانية, ويجب أن لا يسأل إلا عن خطأ صدر منه, لأن العدالة تأبى غير ذلك. ولما كان هذا الرأي لا يستند إلا لقواعد العدالة التي لا يجوز إقامة الحكم عليها وحدها متى كان ذلك مخالفا للمعنى الظاهر في القانون, وأن الاستناد إلى هذه القواعد لا يكون إلا في الحالة التي ينعدم فيها النص التشريعي والعرف ومبادئ الشريعة الإسلامية حسب الترتيب الذي حددته المادة الأولى/2 من قانون المدني العراقي. ولما كانت المادة (231) من هذا القانون تعد مبدأً عاماً في هذا الصدد, فلا مجال لإقامة الحكم على أساس قواعد العدالة مع وجودها.
12. إن إقامة مسؤولية الناقل مجاملة على أساس المسؤولية عن الأشياء يوافر حماية كبيرة للمضرور في حوادث النقل مجاملة, كما ينسجم مع الأتجاه الحديث في المسؤولية المدنية الذي يسعى إلى جبر الضرر ومن دون النظر في سلوك الناقل, وينسجم مع أنتشار مبادئ التأمين الالزامي من حوادث السيارات.
13. توصل البحث إلى أمكانية تطبيق المسؤولية عن الأشياء في النقل مجاملة في القانون العراقي, لأن ذلك يعد تطبيقاً للمادة (231) من القانون المدني, كما أن ذلك لا يتقاطع مع الغاية التي يسعى أليها المشرع في قانون النقل وهي توفير أكبر قدر ممكن من الحماية للركاب, وكذلك في ضوء ما جاء به قانون التأمين الالزامي من حوادث السيارات الذي يسعى إلى تعويض جميع المتضررين عن هذه الحوادث بغض النظر عن صفة الراكب سواء أبمقابل كان أم بالمجان.
14. توصل البحث إلى أنه لا حاجة لتدخل تشريعي من أجل تطبيق المسؤولية عن الأشياء في النقل مجاملة, لأن المادة (231) من القانون المدني تعد نصاً عاماً, يحكم هذه المسؤولية بسبب توافر الشروط التي تتطلبها هذه المادة في النقل مجاملة, كما لا يوجد قانون خاص يمنع تطبيق هذه المادة على الحوادث الناشئة عن هذا النقل.