تتناول دراسة (( المعارضة العلوية للسلطة في العصرين الراشدي والأموي من خلال مؤلفات علماء الحلة التاريخية في القرنين السابع والثامن الهجريين )) , دراسة واحد من الموضوعات المهمة في التاريخ العربي الإسلامي , وهو المعارضة العلوية وأثرها في العصرين الراشدي والأموي , وذلك من خلال تسليط الضوء على أئمة أهل البيت (ع) , ودورهم بوصفهم معارضين للسلطة , وعلى الرغم من تناول بعض الدراسات وبشكل مباشر المعارضة ضد السلطة , فإننا اعتمدنا مصادر مختلفة عن التي اعتمدوها في دراساتهم , ومن هنا تبرز أهمية الموضوع .
إذ إننا اعتمدنا مؤلفات علماء الحلة أساساً لهذه الدراسة , وذلك من خلال اعتماد رواياتهم التي أوردوها في كتبهم التاريخية , وطائفة من الروايات التاريخية التي أوردها الحليون في كتبهم الفقهية والعقائدية أساساً لهذه الدراسة , ومقارنة ما أوردوه من آيات قرآنية وأحاديث نبوية , ونصوص تاريخية بالمصادر التي كانت اقرب إلى الحدث من المؤرخين الذين سبقوا الحليين .
تتجسد أهمية أخرى لهذا الموضوع في معرفة طبيعة المؤلفات التاريخية لعلماء الحلة, ومصادر استقائهم للمعلومات والأخبار والمرويات التاريخية , علماً أن طائفة من الأخبار التي جاءت في كتب الحليين التاريخية , قد وردت في كتبهم الفقهية أيضاً .
ومن دوافع اختيار هذا الموضوع , الرغبة في إحياء تراث الحليين العلمي والفكري, وان ابرز دليل على روعة هذا التراث هو نتاجهم العلمي والفكري الذي أودعوه في مؤلفاتهم وكتبهم , وسعى الباحث إلى تأكيد إمكانية اعتماد كتب الحليين لقيام دراسات تاريخية باعتماد هذه الكتب بشكل خاص, ومقارنتها بباقي المصادر بشكل عام , وبخاصة فيما يتعلق بسيرة أهل البيت (ع) , فهذه دعوة لكل الباحثين والمختصين بالتاريخ الإسلامي إلى اعتماد كتب الحليين وتحقيقها ودراستها لإغناء المكتبة العربية الإسلامية .
وتم تقسيم هذه الدراسة على تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة , حاول الباحث في التمهيد إعطاء صورة مبسطة عن مدينة الحلة ونشوءها وتطور الحركة الفكرية والعلمية فيها في القرنين السابع والثامن الهجريين , ولم نتوسع فيها بشكل كبير , وذلك لأن عدد من الدراسات السابقة تناولت هذا الجانب .
تناولت في الفصل الأول الجذور التاريخية للمعارضة العلويةفي روايات الحليين , إذ وجدنا إن الحليين اهتموا بذكر أنساب العلويين وتفرعات هذا النسب المبارك واهتمامهم بالأحداث التي جرت قبل الإسلام وبعده , وأكدوا بان المعارضة العلوية للسلطة لم تكن وليدة في العصرين الراشدي والأموي , بل أن لها جذوراً وأصولاً تاريخية تعود إلى ما كان بين بني هاشم وبني أمية قبل الإسلام من تنافس وصراع , كذلك اهتم الحليون بدور الإمام علي (ع) خلال عصر النبوة و ما قام به من دور جهادي في نشر الإسلام , وأكدوا ذلك بوصفه أساساً في إثبات أحقية الإمام علي (ع) بالخلافة من جهة , ومن جهة أخرى استدلوا بالنص والسنة بما جاء من آيات قرآنية وأحاديث نبوية ووقائع تاريخية على لسان النبي محمد (ص) تؤكد إمامة الإمام علي (ع) والأئمة (ع) وخلافتهم من بعده .
أما في الفصل الثاني , فقد صببنا الاهتمام على المعارضة العلوية في العصر الراشدي في روايات الحليين , وذلك من خلال عرض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية , والنصوص التاريخية التي أوردها الحليون , التي توضح أوجه العلاقة بين العلويين وسلطة الخلافة في العصر الراشدي , ووقوف الإمام علي (ع) إلى جانب الخلفاء الثلاثة في مواجهة التحديات التي واجهت الدولة العربية الإسلامية آنذاك ورأي الحليين فيها , وذكرنا روايات الحليين في مسألة الخلاف الذي جرى بين فاطمة الزهراء (ع) , وبين أبي بكر الصديق (رض) حول ارث الرسول (ص) في فدك ومسألة الخمس , وتأكيد الحليين بما أوردوه من أدلة أحقية فاطمة الزهراء (ع) بوراثة النبي محمد (ص) , وذكرنا خلافة الإمام علي (ع) ورأي الحليين في بيعته بالخلافة, وعلمه وزهده وقضائه وحروبه ضد مخالفيه واستشهاده , وما جرى في ذلك من أحداث عرض فيها الحليون مروياتهم وابدوا نظرتهم ورأيهم فيها , ثم انتقلنا إلى دراسة خلافة الإمام الحسن السبط (ع) , وما أورده الحليون في ذلك من روايات تتحدث عن بيعته وزهده وأخلاقه , وتناولوا اسباب الهدنة وعقد الصلح بين الإمام الحسن (ع) ومعاوية وكذلك استشهاد الإمام الحسن (ع) .
أما الفصل الثالث , فقد قسمته على مبحثين رئيسين , كان المبحث الأول عن الثورات والحركات العلوية التي حدثت في العصر الأموي وهي ثورة الإمام الحسين (ع) , وحركتا زيد بن علي بن الحسين وولده يحيى بن زيد (ع) وأوردنا ما ذكره الحليون من روايات تاريخية تتحدث عن هذه الثورات والحركات , علماً أن الباحث قد اقتصر على ذكر الثورات والحركات العلوية , واستبعاد الحركات والثورات الشيعية , لاقتصار الدراسة على المعارضة العلوية فقط , ولقد وجد الباحث قلة في روايات علماء الحلة بخصوص حركتي زيد الشهيد وولده يحيى (ع) , ربما يعود ذلك إلى عدة أسباب منها أنهم قد اهتموا بواقعة الطف وثورة الإمام الحسين (ع) , أو ربما يعود ذلك إلى ضياع بعض المؤلفات من كتب الحليين التي مسها الخراب والدمار الذي لحق بمدينة الحلة في بعض الفترات , أو ربما أن الباحث لم يتمكن من الحصول عليها خلال مدة دراسته , فعسى في المستقبل أن يتمكن احد الباحثين من الحصول عليها , ووضع دراسة مستقلة عن زيد الشهيد (ع) وولده يحيى (ع) من كتب الحليين.
وفي المبحث الثاني , تطرق الباحث إلى ذكر الدور العلمي لأئمة أهل البيت (ع) , وهم الإمام زين العابدين , والإمام الباقر , والإمام الصادق (ع) , وعرض ما أورده الحليون من روايات , وقد أكدنا في هذا المبحث الدور العلمي والفكري للائمة (ع) , لأنهم قد ابتعدوا عن الثورات والحركات السياسية , لبطش الدولة الأموية , ولأنهم اخذوا طريقا أخرى في المعارضة وهي المعارضة العلمية والفكرية ضد الدولة الأموية .
كما أن الباحث لم يتطرق إلى ذكر باقي أبناء الإمام علي (ع) كمحمد بن الحنفية أو عمر بن علي , ... , وذلك لأننا لم نعثر على أية معلومات عنهم في كتب ومؤلفات الحليين التي تمكنا من الحصول عليها , بحيث تكفي للكتابة عنهم ولإدراجهم في هذه الدراسة.
وفيما يتعلق بمصادر هذه الدراسة , فهي على قسمين رئيسين , الأول كتب علماء الحلة ومؤلفاتهم في القرنين السابع والثامن الهجريين , وهذه الكتب إما كتب تاريخية أو كتب فقهية , تم اعتماد الروايات التاريخية التي تفيد هذه الدراسة , ومقارنتها مع باقي المصادر القريبة من الحدث , ودعت المنهجية على إرجاع الآيات القرآنية إلى كتب التفسير , والأحاديث النبوية إلى كتب الصحاح , والروايات التاريخية إلى نظيرها من كتب السيرة والتاريخ والرجال والمعاجم والمناقب , وقد وضعنا ملحقاً خاصاً بكتب علماء الحلة في نهاية هذه الدراسة بشكل تفصيلي .
والثاني , هو الكتب التي رجعنا إليها في مقابلة روايات الحليين بها ومنها :
1. كتب التفسير والحديث ومنها : ( كتاب الكشف والبيان ) للثعلبي (ت427هـ/1035م), وكتاب ( مجمع البيان في تفسير القرآن ) لأبي علي الطبرسي (ت548هـ/1153م) , و( صحيح البخاري ) لمحمد بن إسماعيل الجعفي (ت256هـ /869 م), و( صحيح مسلم ) لمسلم النيسابوري ( ت261هـ/874م ) , و( جامع الترمذي ) لمحمد بن عيسى ( ت279هـ/892م ) , وهي من كتب الصحاح والتفسير المشهورة واعتمدها الحليون كثيراً في رواياتهم , لذلك افدنا منها في المقارنة.
2. كتب التاريخ والسيرة : وفي مقدمتها كتاب ( المبتدأ والمبعث والمغازي ) لمحمد بن إسحاق ( ت151هـ/768م ) , وكتاب ( السيرة النبوية ) لابن هشام ( ت218هـ/ 833م) , وكتاب( تاريخ اليعقوبي ) لأحمد بن إسحاق ت 292هـ / 904 م , وكتاب ( تاريخ الرسل والملوك ) للطبري (ت310هـ/922 م) , وكتاب ( مروج الذهب ومعادن الجوهر ) للمسعودي (ت346هـ/957م) , وكتاب (الإرشاد) للشيخ المفيد (ت413هـ/1022م) , وكتاب ( الكامل في التاريخ ) لابن الأثير (ت630هـ/1232م) , وغيرها , وقد افدنا منها في المقارنة مع الروايات التاريخية, التي أوردها الحليون .
3. كتب الأئمة (ع) : ومنها كتاب (نهج البلاغة ) للإمام علي (ع) الذي جمعه الشريف الرضي ( ت404هـ/1013م ) , وشرحه ابن أبي الحديد المعتزلي (ت656هـ/1258م ) , و( الصحيفة السجادية ورسالة الحقوق ) للإمام علي بن الحسين (ع) , وكتاب الأهليلجة للإمام جعفر بن محمد (ع).
4. كتب الطبقات والتراجم : ومنها كتاب ( الطبقات الكبرى ) لمحمد بن سعد الزهري (ت230هـ/ 844م ) , و( المعجم الكبير ) للطبراني ( ت360هـ/970م ) , و(حلية الأولياء ) لأبي نعيم الأصفهاني (ت430هـ/1038م) , و( الاستيعاب في معرفة الأصحاب ) لابن عبد البر القرطبي (ت463هـ/1070م) , ومن المقاتل ( مقتل الإمام الحسين (ع)) لأبي مخنف (ت157هـ/773م) , و(مقاتل الطالبيين ) لأبي الفرج الأصفهاني (ت356هـ/966م) , و( كتاب الرجال ) للنجاشي (ت450هـ/1058م) , و( كتاب الرجال ) للشيخ الطوسي (ت460هـ/1067م) , وغيرها , وقد اعتمدناها في ترجمة الشخصيات التي وردت في سياق البحث .
5. كتب المناقب : ومنها كتاب ( فضائل أمير المؤمنين (ع)) لأحمد بن حنبل (ت241هـ/855م) وكتاب ( مناقب علي بن أبي طالب (ع)) لابن المغازلي الشافعي (ت483هـ/1090م) , وكتاب ( ينابيع المودة ) للقندوزي , وغيرها .
6. كتب البلدان : ومنها كتاب ( معجم البلدان ) للحموي (ت626هـ/1228م) , و (مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع ) للبغدادي (ت739هـ/1338م) , وغيرها , وافدنا منها في تعريف الأماكن والبلدان التي وردت خلال دراستنا .
وتم اعتماد طائفة من المراجع التاريخية المهمة التي تناولت سيرة الأئمة (ع) مثل كتاب ( منتهى الآمال ) لعباس القمي , وكتاب ( الأئمة الاثنا عشر سيرة وتاريخ ) لحسن آل ياسين , وغير ذلك من المصادر والمراجع التي استعان بها الباحث , والتي أوردناها بالتفصيل في قائمة المصادر والمراجع .
ولقد واجه الباحث مشكلات منها : صعوبة العثور على مؤلفات علماء الحلة في المكتبات العامة والخاصة , لعدم اهتمام الباحثين والمحققين بها بشكل كبير إلا فيما ندر , مما تطلب من الباحث وقتاً كبيراً في البحث عن هذه المؤلفات في المكتبات العامة والشخصية .
وفي الختام أرجو أن أكون قد وفقت لخدمة تراث علماء الحلة , بما يخدم المكتبة العربية الإسلامية , فإن وفقت فمن عند الله عز وجل وإن أخطأت فمن عندي , والله الموفق وهو المستعان في كل شيء