تناول البحث النظرية العامة للحدود الدولية كمدخل نظري لدراسة الوضع القانوني للحدود اليمنية السعودية واثناء البحث تم استعراض اراء الفقهاء وقواعد القانون الدولي فيما يتعلق بالحدود الدولية واسباب المنازعات التي تنشا بسببها وآَلية تسويتها على اعتبار انها تشغل حيزا كبيرا من المنازعات الدولية بشكل عام , فكانت الوسائل الدبلوماسية لها اهمية قصوى في حل تلك المنازعات على اعتبار ان ارادة الدول الحرة هي الضمان الاكيد لتعيين الحدود الدائمة وهو ما يطلق عليه بالحدود الاتفاقية ، وذلك لايعني الانتقاص من دور الوسائل الاخرى في حل المنازعات الدولية .
وتم استعراض النزاع على الحدود اليمنية السعودية فتبين ان للقوى الاجنبية دورا بارزا في طمس الحقوق التاريخية بشكل او باخر , اذ تم تقسيم اليمن الى قسمين شمالي وجنوبي عام 1913 م وخلق الكيان الادريسي في الجسد اليمني وذلك من اجل تمزيق اليمن الواحد , فبدات معالم الحدود اليمنية تندثر.
وبظهور الدولة السعودية تفاقمت مشكلة الحدود اليمنية نتيجة النزاع اليمني السعودي على المخلاف السليماني الذي كان يشكل اقليما للادارسة وانتهت المرحلة الاولى من النزاع بتوقيع معاهدة الطائف عام 1934 م تحت وطاة الاكراه وهو ما يعد مبطلا للمعاهدات الدولية فضمت الاقاليم اليمنية في ظل التشطير الى السعودية عن طريق القوة وهو ما يعد مخالفة لقواعد القانون الدولي المسلم بها .
فانبثقت اهمية معاهدة جدة لعام 2000م ليس في الجانب القانوني فقط وهو المتمثل في ممارسة السيادة على اقليم الدولة اليمنية والسعودية وفق حدود برية وبحرية دولية معترف بها من قبل الاطراف , وما ترتب على ذلك من اثار ايجابية على الجانبين في مجالات التعاون الثنائية بين البلدين من جهة , ومن جهة اخرى تحديد حقوق وواجبات البلدين على المناطق الحدودية وما الى ذلك من فوائد قانونية وسياسية واقتصادية واجتماعية وامنية .
بل ان لمعاهدة جدة اهمية على الصعيد الدولي في المساهمة في الامن والاستقرار الدولي في جنوب الجزيرة العربية نظرا للاهمية الاستراتيجية للجزيرة العربية بشكل عام , واليمن بوجه خاص على اعتبار انها البوابة الجنوبية للوطن العربي , وحل مشكلة الحدود بطرق سلمية مبنية على حسن الجوار واحترام الحقوق الدولية بما يكفل حقوق الاطراف هو انجح السبل لفض المنازعات الدولية عامة والمنازعات الحدودية خاصة.
من خلال البحث يمكن استنتاج الاتي :
1- كان للمفاوضات كاحدى وسائل حل المنازعات دور فاعلا في كسر الجمود والفتور في علاقة البلدين بعد مرور فترة طويلة من الزمن بسبب مانتج عن توقيع معاهدة الطائف عام 1934م بالاكراه وفرض سياسة الامر الواقع على الرغم من الحقوق التاريخية اليمنية في مناطق النزاع , فكانت المفاوضات هي الخطوة الاولى , نحو ترسيم الحدود الدولية بين البلدين وباسلوب متفق عليه مبني على التراضي يمنح الحدود الدوام والاستمرارية .
2- ورد في المادة الاولى من معاهدة جدة 2000م النص على الزامية وشرعية معاهدة الطائف 1934م , وملحقاتها وبما ان معاهدة جدة صحيحة من الناحية الشكلية والموضوعية وفق قواعد القانون الدولي , فقد ورد النص على الاثر الرجعي لها حتى تاريخ 1934م , وهذا امر وارد في الاتفاقيات الدولية خاصة التي يثار حولها الشك في عدم تكافؤ الاطراف المتعاهدة والتي تصبح صحيحة بالموافقة اللاحقة على توقيعها وترتب على الاعتراف بشرعية والزامية معاهدة الطائف والالتزام بكل ما ورد فيها وفي ملحقاتها , وكما هو معلوم ان معاهدة الطائف عبارة عن منظومة قانونية متكاملة تنظم جميع اوجه التعاون والتعامل الدولي بين البلدين بما في ذلك آلية فض المنازعات بموجب عهد التحكيم الملحقة , ويعتبر حل المنازعات بين البلدين عن طريق اللجوء الى التحكيم ملزما للبلدان اذا فشلت الوسائل الدبلوماسية في ذلك .
3- لابد من الاشارة الى ان المفاوضات تلعب دورا مهما في حل المنازعات الدولية بيد ان لدبلوماسية القمة فاعلية حاسمة في تسوية المنازعات الدولية ويعزى ذلك الى طبيعة الانظمة السياسية وما تمنحه الدساتير الوطنية من اختصاص لقمة السلطة التنفيذية , وهذا ما حسم النزاع في الخلاف الحدودي اليمني السعودي اذ كان للقيادات العليا دور فاعل في حسم الخلاف بعد عجز اللجان الحدودية الفنية المختصة في التوصل لحل.
ولا يمكن اغفال بعض الماخذ على معاهدة جدة وعملية تعيين الحدود وترسيمها وهي :
1- يفترض لصحة ودوام المعاهدات الحدودية توفير المعلومات الدقيقة والصحيحة لدى المتفاوضين قبل الشروع في أي نشاط دبلوماسي او تفاوضي , فكان حري باللجان المختصة توفير تلك المعلومات وبشكل علمي وحديث قبل الخوض في تفاصيل الاحداثيات الجغرافية للخط الحدودي بين البلدين , الا ان ذلك لم يحدث بدليل انه تم احالة ترسيم الحدود الى لجنة اخرى , فظهرت مشكلة معالجة الاوضاع المحلية عند التطبيق .
2- لم يتم الاتفاق على الية تنظم مهام لجان الترسيم واختصاصاتها وسلطتها في تعديل خط الحدود اذا لزم ذلك اسوة بما جرى عليه العمل الدولي .
3- تم الاعتراف بمشروعية معاهدة الطائف وملحقاتها ومنها عهد التحكيم , بيد ان العهد الملحق وكما سبق البحث لم يشمل جميع جوانب التحكيم , فيفترض معالجة القصور وفق ما هو حاصل في الوقت الحاضر , من اجل علاقات افضل بين البلدين .
4- ورد النص في معاهدة الطائف على ان يكون خط الحدود المرسوم خاضعا لتبعية (جنسية) القبائل عند الاختلاف في معالجة بعض الاوضاع المحلية وذلك عام 1934م , الا ان معاهدة جدة اغفلت ذلك عام 2000م ولم تنظم تلك الحالات بشكل دقيق وواضح خاصة وان هناك ازدواجا في جنسية معظم سكان تلك المناطق الحدودية .
ورد الاتفاق في الملحق الرابع من معاهدة جدة النص على التفاوض لاستغلال الثروات الطبيعية المشتركة في منطقة الحدود البرية, فكان الاصح ان يتم الاتفاق على الاستغلال المشترك للثروات الطبيعية في منطقة الحد بشكل عام البرية والبحرية , كون مفهوم الثروات الطبيعية مفهوم واسع يشمل المياه الجوفية , والمعادن المختلفة بما فيها النفط والغاز , والاسماك .