إن فكرة الإهمال ليست وليدة العصر الحديث , وإنما وجدت منذ أن وجد الإنسان في العصور الاولى من التاريخ ,ولكن لم يميز بينها وبين الجريمة العمدية على اساس النية أو القصد الا في عهد الملك البابلي حمورابي , إذْ تضمنت شريعته نصوصاً توضح ذلك , فتفرق في العقوبة المفروضة على من ارتكب الفعل عن إهمال او خطأ, وبين من يرتكبه متعمداً قاصداً اتيانه, حيث تكون العقوبة هنا اشد مما هي عليه في الحالة الاولى.
وفي العصر الفرعوني لم تكن فكرة الخطأ ذات اثر في تقدير المسؤولية , وكان الضرر وحده هو موضع الاعتبار لمعاقبة الفاعل , فيؤاخذ الفاعل ويعاقب تاسيساً على الضرر الحاصل نتيجة لفعله دون أن يكون هناك اثر للتصرف الارادي الصادر عن الفاعل , وهل ان هذا التصرف وقع عن عمد أو هو مجرد أهمال.
اما الشريعتان اليونانية والرومانية فقد عرفتا فكرة المسؤولية الناشئة عن الإهمال , إذْ كانتا تفرقان بين الجريمة العمدية وغير العمدية من حيث العقوبة .
وقد تناولت الشريعة الموسوية بالبحث النيات ومدى تاثيرها على طبيعة المسؤولية من حيث جعل الفعل عمدياً أو غير عمدي فيما يخص جريمة القتل فقط , إذْ فرقت في العقوبه بين الحالتين .
كما عرفت الشريعة الاسلامية السمحاء فكرة المسؤولية الجنائية الناشئة عن الإهمال ووضعت نظرية متكاملة لها , حيث ميزت بين الجرائم العمدية وغير العمدية في الوقت الذي كانت فيه القوانين الحديثة تاخذ بالمسؤولية المادية وتجهل التمييز بين العمد والإهمال.
وكذلك عرفت التشريعات الجنائية الحديثة التي كانت مطبقة في العراق فكرة الإهمال ومنها قانون الجزاء العثماني وقانون العقوبات البغدادي الملغي وقانون العقوبات النافذ , حيث أوردت في القسم الخاص منها عدداً من الجرائم التي ترتكب بطريق الإهمال وتترتب عليها نتائج خطرة او ضارة تلحق بمصالح الدولة او الافراد.
2- في الفصل الاول الذي خصصناه لبيان ماهية الإهمال من خلال البحث في مفهوم الإهمال وذاتية الإهمال الجنائي توصلنا الى:-
أن التشريعات الجنائية المقارنة لم تورد تعريفا محددا للأهمال , مما جعل الفقه يتصدى لهذه المهمة فظهرت عدة مدارس وآراء فقهيه في تعريفه وبعد استعراض أهمها توصلنا الى التعريف الاتي للإهمال وهو سلوك سلبي ناشئ عن اخلال الجاني بواجبات الحيطة والحذر التي تفرضها قواعد القانون او الخبرة الانسانية العامة , وعدم حيلولته تبعا لذلك دون ان يفضي تصرفه الى إحداث النتيجة الاجرامية , سواء توقعها , أو كان عليه توقعها , لكنه لم يقبلها وكان بامكانه الحيلولة دون حدوثها .