تعدّ اللغة من أقوى الموجبات على الشعوب, فهي ليست وسيلة للنطق والتعبير فحسب, بل هي وسيلة التفكير والتخطيط والهويّة. ولغة الأمّة هي أهمّ مقوّمات شخصيّتها وسجلّ تجاربها ومعارفها وأمجادها عبر الزمن, لذا فإنّ الحديث عن القضايا اللغويّة مقدّمة لتأصيل التفكير وتحرير روح الإبداع وتوطين العلوم وإذكائها, علاوة على تحقيق مشروع لغة متطوّرة لجعلها عالميّة وصالحة للتدريس والبحث والاتّصال.
فما أعظم أمّة تمجّد لغتها وتنزلها المكانة اللائقة بها تدريساً وتواصلاً وبحثاً, وتستهدف العناية بها من خلال تطوير التعليم وسهولة إكساب العلوم والثقافة.
وهكذا كان السعي لجعل لغتنا العربيّة قادرة على التعبير عن مأربنا وعن خفيّ خوالجنا ومقتضيات العلم ومستجدّات المعرفة ومستحدثات التقدّم, كي تواكب سير الحضارة الإنسانيّة المتسارع. إذ كانت هذه اللغة- وما تزال- لساننا في التفاهم والاتّصال, ولغتنا في الشريعة والإسلام, وشعارنا في الاعتزاز بالمجد والتراث, وأداتنا في وحدة التفكير ووحدة الأهداف والغايات, فلا قوميّة لنا قبلها, ولا قوميّة لنا بعدها.
واللغة القوميّة هي اللغة الفصحى؛ لغة القرآن الكريم ولغة التراث وكنوز الثقافة العربيّة الأصيلة, وهي- بهذا- جديرة أن تحتل موقع الصدارة من المستويات اللغويّة الأخرى. وعدم الأخذ بهذه اللغة الفصحى في مراحل التعليم يسلمنا إلى ضياع فكريّ ثقافيّ, حيث يفصل حاضرنا عن ماضينا المجيد، علاوة على ما يعقب هذا الإهمال من نتائج مُنذرة بالخطر, إذ ينحرف بنا الأمر بمرور الزمن إلى الانعزال عن لغة القرآن والبعد عنها بعداً يفقدنا أهمّ أساس من أسس ديننا الحنيف وأكرمها.
إنّ أخطاء الناس- قياساً على المستوى الصوابيّ للغة في عصرهم- تسمّى باللحن. واللحن شائع بين العامّة, وبين الطلبة اليوم، وبين كثير من المثقّفين والأدباء والشعراء.
واللحن قديم منذ عهد الرسول( صلّى الله عليه وآله وسلّم ), إذ قال( عليه الصلاة والسلام) عندما لحن رجل بحضرته:(أرشدوا أخاكم فقد ضلّ)، ثمّ اتّضحت معالمه في عهد الإمام عليّ بن أبي طالب( عليه السلام), بالملحوظات التي أدّت إلى نقط المصحف بنقط تميّز حركة الإعراب, ثمّ إلى قيام أبي الأسود الدؤليّ(ت69هـ) بوضع أبواب من النحو.
وقوي هذا الاتّجاه في عهد الأمويّين بالحركة الدائبة لجمع اللغة من أفواه الأعراب الموثوق بهم, واستقراء الشواهد, ووضع القواعد, ثمّ استنكار اللحن تبعاً لذلك. وقد روي قول الخليفة عمر بن عبد العزيز:( أكاد أضرس إذا سمعت اللحن).
واستمرّت هذه الحركة نشطة في العصر العبّاسيّ الذي شهد تأليف طائفة من كتب اللحن التي تذكر الخطأ وصوابه, وتورد شواهد على ذلك من الشعر والنثر, ثمّ تتابعت بعد ذلك كتب اللحن حتّى عصرنا.
وعقدة المشكلة اللغويّة كما تقول بنت الشاطىء (ليست في اللغة ذاتها, وإنّما هي في كوننا نتعلّم العربيّة قواعد صنعة وإجراءات تلقينيّة وقوالب صمّاء, نتجرّعها تجرُّعاً عقيماً, بدلاً من أن نتعلّمها لسان أمّة ولغة حياة, وقد تحكّمت قواعد الصنعة بقوالبها الجامدة, فأجهدت المعلّم تلقيناً والتلميذ حفظاً, دون أن تجدي عليه شيئاً ذا بال في ذوق اللغة ولمح أسرارها في فنّ القول. وانصرف همّنا كلّه إلى تسوية إجراءات الصنعة اللفظيّة بعيداً عن منطق اللغة وذوقها).
إنّ مشكلات استعمال اللغة العربيّة الفصيحة التي تعيق تحقيق الأهداف الموضوعة تعود إلى مجالات متعدّدة؛ كمجال الأهداف, ومجال محتوى المنهج الدراسيّ, ومجال التدريسيّين وإعدادهم التربويّ والمهنيّ, وكذلك مجال طرائق التدريس الذي لا يرمي إلى جعل الطلبة يتكلّمون اللغة الفصيحة, ومجال الطلبة ومعاناتهم من الازدواجيّة في التعبير, ومجال أساليب التقويم والاختبارات التي أغلبها لا تقيس قدرة الطالب اللغويّة.
وانطلاقاً من أهمّيّة اللغة العربيّة الفصيحة، وأهمّيّة المرحلة الجامعيّة, ومن أجل الوقوف على مشكلات استعمال اللغة العربيّة الفصيحة لدى طلبة أقسام اللغة العربيّة في كلّيّات التربية في العراق, وتلمّس أفضل السبل للنهوض باللغة العربيّة الفصيحة أعدّت هذه الدراسة.