لقد ظهر هذا الضرب الجديد الذي عرف بالغزل العذري فنا من الشعر متطورا في العصر الأموي, مستقلا قائما بنفسه, وانقطع له شعراء أوقفوا فنهم وحياتهم عليه, فأجادوا فيه وأبدعوا منطلقين في تجربة ذاتية تحمل طابعا خاصا, وكان منهم من يسمو بغزله إلى حد يكاد يكون صادقا يقرب من التصوف, ومنهم من ينحدر بغزله فيجعله وسيلة إغراء, وثورة على القيم الأخلاقية.
والذي يعنينا في هذا البحث ظهور الضرب الأول- الغزل العفيف- ونجاح تجربته العاطفية معنويا وروحيا, لأنها نتاج عقلية متطورة أفرزتها تلك الحضارة الجديدة وبيئتها الجديدة, وهي نتاج مشترك بين القلب والعقل, فجاء شعرهم انعكاسا لذواتهم بصورة صادقة لمعاناتهم النفسية فاكتسب الخلود, لأنه يخاطب العواطف والوجدان الإنسانية الصادقة في كل زمان ومكان...
من هنا كان ظاهرة اجتماعية لم تنحصر بزمانها ومكانها- وإن كانت وليدة عصرها- إنما هي ظاهرة شعبية إنسانية هزت القلوب وطربت لها النفوس, ودليل انتشارها أنها تناولها الكثير من الأدباء والباحثين... إلاّ أن هؤلاء الشعراء الذين- خصهم بحثنا- يمكن أن نصفهم بأنهم زعماء هذا التيار الغزلي الجديد العفيف المتسامي ورواده, أعطوه حلة جديدة ومعنى جديدا كونها تجربة جديدة خاصة تميزوا فيها برقة الإحساس, وصدق الشعور العاطفي والإنساني, والفطنة في الإدراك الذهني والحسي, وإبراز المعنى في اسلوب بارع جديد, ولّد شيئا جديدا في المعنى يفضي إلى مزيد من الحس والبهجة.
ولقد أهتم بحثنا بتسليط الضوء على هذا الفن الجميل, كغرض منفرد من الشعر في العصر الأموي, لدراسته دراسة فنية تحليلية لمضامين شعره, ودراسة ما للبيئة الحضارية الجديدة من تأثير على ثقافة وسلوك الشعراء العذريين, وما آلت إليه من تغيرات فكرية وسلوكية في مختلف موضوعاتهم- أحداثهم العاطفية- وما رسموه في تجربتهم من صور ولوحات فنية معبرين عن معاناتهم الذاتية التي أوقعتهم في صراعات نفسية كثيرة.
وبعد عرضنا لمنهجنا في هذا البحث ارتأينا أن نضع ما توصلنا إليه من نتائج قد تكشف بعض الجوانب المهمة التي تفردوا بها في فنهم وهي ما يأتي:
• لقد استخدم شعراء الحب العذري اسلوبا جديدا لطرح أفكارهم, يعتمد على الحوار الذي يعد وسيلتهم للتعبير الذي تفرضه المواقف والأحداث العاطفية, ليضيء به جانبا مهما من جوانب تلك الأهداف كرد فعل معاكس معبرين به عن مشاعرهم ومظهرين من خلاله الصورة الحقيقية عن واقعهم, مبتعدين عن التكلف والغموض, وقد كشف هذا الحوار عن شخصياتهم بكل وضوح وجلاء, فكان حوارا ناجحا ومشوقا, وجامعا بين عمق الفكرة والمعاناة وبين الجمال والتصوير.
• أكثروا من التكرارات المتنوعة لأهميتها الشعرية ودلالتها النفسية, لأنها تعكس جانب الوصف الشعوري والانفعالي من جهة, وتشكيلها ظاهرة اسلوبية يمكن عدها قاعدة أساسية في بناء أشعارهم من جهة أخرى, فضلا عن كونها تحقق لهم غرضا نفسيا قد لا يستطيعون مباشرته, وقد تجلى ذلك التأثير في البناء اللغوي عامة والتصوير الفني خاصة.
• إن للزمان والمكان أثرهما الفاعل في بناء قصائدهم, وإلباسها ثوبا من الواقع عكس جانبا مهما من حياتهم الشاكية والباكية المفارقة, فجاءت أوصافهم مفعمة بالخيالات الشعرية التي تثير الأشواق والذكريات واستذكارها بحرقة ووجد.
• اعتمدوا على حسية المعاني أكثر من ذهنيتها, حيث استقى الشعراء صورهم المتخيلة من واقعهم الحسي, فكانت معانيهم دائما حسية واضحة دفعتهم إلى التشبيه بأشياء محسوسة, فجاءت أوصافهم :
أ. تصويري خيال واسع.
ب. تمثيلي حوار جميل وأداء بارع.
ج. تشخيصي إنطاق الجمادات والحيوانات بإيحاءات رمزية جميلة.
• يمكن لنا أن نعد حركة الشعر العفيف بوصفه فنا قائما بذاته، بداية حقيقية للتعبير عن الذات باسلوب رقيق من أساليب التعبير الفني المملوء بالعاطفة الوجدانية, لذا أنتجت هذه الحركة الشعرية العفيفة العذرية- وشعراؤها الأربعة تحديدا – تراثا أدبيا غنيا متنوع العاطفة, ليصبح جزءا مهما من تراثنا الأدبي.
• تجسدت في مضامين قصائدهم عدة خصائص فنية يمكن إيجازها بما يأتي:
- الوضوح والبساطة في المعاني والأفكار والخيالات والصور.
- سمو العاطفة وقوة الانفعال, وتأجج في الشعور مع رقة الألفاظ وسلاستها.
- الإجادة والبراعة في التصوير مع العمق والدقة في ترتيب المعاني والأفكار.
- الإبداع في الحوارات والخيالات وما رافقها من استعارات ومجازات وكنايات.
- استخدامهم للأساليب المختلفة, والصيغ والعبارات المتنوعة.
• يمكن اعتبار أدبهم وثيقة تاريخية ثرية للباحث أو الدارس تزوده عن حقيقة عذريتهم بأنها تجسيد وسيلته الفن وصولا إلى الحقيقة(الإخلاص للذات).
• حقق شعرهم عدة قيم جمالية ذات أبعاد سلوكية مهمة منها:
- قيمة ذاتية, كونه شعراً خاصاً خاض تجربة وجدانية خاصة نابعة من ذواتهم, لذا يرتبط بهذا الجانب القيمي بعدا أخلاقيا يتفاعل مع الوجدان, وهو بعد عاطفي ينسجم مع الذات انسجاما حقيقيا وروحيا بعيدا عن الحسية, قريبا من الصوفية:
العذريـة بحث عن الحقيقة تجسيد وسيلة الفن وصولا إلى الذات محبـة الإنسـان الإخلاص.
الصوفيـة بحث عن الحقيقة تجريد وسيلته التأملئ وصولا إلى الذات محبة الله الإخلاص.
- قيمة اجتماعية, لما في مضمونها العاطفي من فوائد ومعان وآثار خلقية- تصلح المجتمع- فتحقق بعدا أخلاقيا يتمثل بصبرهم- والصبر مفتاح الأخلاق- وتحمل الآلام والمعاناة العاطفية والاجتماعية وتقاليدها البالية.
- قيمة تعبيرية- اسلوبية- جمالية تزيد المعنى رونقا وقوة وتثير الانفعال الوجداني والعاطفي السليم في نفس المتلقي وتجسد الصورة موسيقيا تهز كيان النفس فتلتذ به. وبذلك حققت جانبا روحيا ونفسيا. وهذه القيم الجمالية لم تأتِ عن عبقرية وإبداع الشعراء العذريين, فحسب بل نتيجة التحام عاطفي وفكري وخيالي بموضوع تجربتهم الشعرية.