الشاعر الحلي ومنذ نعومة أظفاره يُرَبَّى على الدين وذلك لما لمدينة الحلة من أهمية دينية, فقد كانت منارة العلم وحوزة المتعلمين, فضلًا عن أنَّ القرآن من المرجعيات الاساسية التي يستند إليها الشعراء منذ القدم؛ لكونه احد المصادر التراثية التي امتنعت من التحريف بقوة الخالق ثم هي مصدر مهم في حفظ اللغة من الزوال, ويظهر ابداع الشاعر من خلال إجادة الاستلهام من النص القرآني, ولغرض توضح تلك الاجادة, وبيان ما وظف من القرآن توجّب على الدراسة ان تنقسم على تمهيد؛ تطرقنا فيه الى التوظيف القرآني, ثم ثلاثة فصول.
تضمن الفصل الاول ( توظيف القصة القرآنية ), واشتمل على ثلاثة مباحث وهي ( توظيف الحدث, الشخصية, وكذلك توظيف الزمان والمكان).
اما الفصل الثاني فقد تضمن (التوظيف اللفظي والمعنوي للقرآن الكريم)؛ اشتمل على مبحثين؛ هما ( التوظيف اللفظي, التوظيف المعنوي).
وفي الفصل الثالث دَرستُ فيه (آليات التوظيف القرآني) وضم كلًّا من:ـــــ اللغة, والايقاع, والصورة القرآنية , وكانت دراستي انتقائية واختصت على نوعين من انواع كتابة القصيدة وهما (قصيدة التفعيلة, وقصيدة النثر), وقامت الدراسة على عدد محدد لنماذج من شعراء حليين, وهم كل من: شكر حاجم, جبار الكواز, موفق ابو خمرة, عبد الأمير خليل, ذياب شاهين, كامل حسين الدليمي, حامد الشمري, احمد الخيال, هلال الشيخ علي, صادق الطريحي, حسينة بنيان, ورود الموسوي, انمار مردان, ناصر ابو الورد.
ولا تخلو الدراسة من الصعوبات, منها:ــ قلة النماذج الشعرية المطبوعة والمتوفرة في المكتبات_ التي تخدم البحث، وتشظيها بين المكتبات أو الشعراء أنفسهم، وإن الكلام الآنف الذكر لا يعني عدم وجود نماذج و لكنها و إن وجدت فهي غير غنية بالتوظيفات المطلوبة في البحث، كذلك صعوبة تجزئة تحليل القصيدة التي هي وحدة متكاملة متراصة ومترابطة الأجزاء ؛ لوضعها في مكانها المناسب من الفصول بحسب مقتضى الدراسة كذلك التخوف من الوقوع بالتكرار عند تحليل القصيدة ذاتها بأكثر من موضع وبنمط يختلف عن سابقه ، زيادة على الظروف الوبائية في بداية البحث، التي عرقلت التواصل المباشر مع الشعراء .
ومرورًا بذكر المعوقات التي واجهتني, لأبد من الإشارة لبعض الدراسات السابقة, إذ وعلى الرغم من اني عثرتُ على عدد من الدراسات المشابهة قد سبقتني الى الموضوع, منها كتاب يحمل عنون (أثر القرآن في الشعر العربي الحديث) للدكتور شلتاغ عبود, طبعة الصباح, درس به المرحلة الاحيائية من الشعر الحديث, وكتاب (الاقتباس من القرآن الكريم في الشعر العربي), لعبد الهادي الفكيكي, طبعة دار النمير, درس الاقتباس كأحد انوع البلاغة عند الشعراء, وكتاب علي عشري زايد بعنوان (استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر), طبعة دار الفكر, التي أشار خلاله إلى اختلاف طرائق الاستدعاء و مستوياته و بين مقاصد الشعراء منه, و كتاب بعنوان (توظيف النص الديني في الشعر العربي القديم) للدكتورة نوير با جبار, طبعة دار النابغة, درست فيه شعر العصر العباسي الاول نموذجًا, وكتاب صدر مؤخرًا بعنوان (أثر القرآن الكريم في الشعر العراقي المعاصر) لعلي محمود حبيب الشمري, طبعة دار الصواف, اهتم بدراسة الشعر العراقي بين سنتي (1990_2019م), وكذلك رسالة بعنوان (أثر القصة القرآنية في الشعر العربي الحديث), لحسن طلب المجالي, وعدد من الرسائل الاخرى, لكنَّهما لم يقتربا من الظاهرة بالشكل الدقيق, فضلاً عن اختلاف العينات المدروسة اختلافا تامًا, وتجدر الاشارة الى ان الدراسة اذا كانت تذكر او تركز على شاعر دون اخر, فليس من قبيل هيمنة شاعر او مجموعة من الشعراء على الدراسة, ولكن الأمر يأتي احيانًا بحسب توظيف الشعراء القرآن في اشعارهم.
و بفضل الله ومعونة مشرفتي وبعض اساتذتي الافاضل تمت الدراسة على كل خير.
ولا أجزم أن تكون دراستي كاملة فالكمال لله وحده ولا يوجد دراسة لا يشوبها من الأخطاء التي قد لا التفت اليها ويلتفت اليها من هم اعلم مني منزلة ورفعة وخبرة, ولكن استطيع التأكيد بانها محاولة جادة مني فأن كانت نافعة فذلك من فضل الله ونعمته وبركة كتابه العظيم، وإن كانت الاخرى فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا أقطع بأنني أحطت بالموضوع من جوانبه كله، وانما هو جهد انساني يعتريه النقص، فاذا كان فيه من تتميم، واستدراك فهذه سمة الدراسات الانسانية، ودليل على الجهد الانساني في أنَّه ينضم الى غيره ليبني الفكر الانساني.