بعد هذه الرفقة الماتعة مع أثر السياق في دلالة حروف المعاني في تفسير الطُّوسِيّ(رحمه الله) توصلت إلى جملة من النتائج, من أهمها :
1ــ بّدا لنا أنَ السَّياقَ بوصفهِ منظومة بيانية إن كانت بنية لفظية في النظم نفسه, أم في نظم منفصل له وُصلة به, وإن كانت مقامات أحوال وظروف وملابسات تتعلّق بالنّص المراد معرفة دلالة أجزائه وكُلّيتهِ, قد أخذ حيّزًا في بيانات الطُّوسِيّ التفسيريّة؛ لأنه أصوليَّ وفقيهٌ ومتكلمٌ فقد تعامل مع النصوص الشّرعية والعقدية تعاملًا دقيقًا ناظرًا إلى السَّياق لأنه يرشد إلى تبيّن المجمل وتعيين المحتمل وتخصيص العام وغيرها.
من هنا فإن القرائن المتنوعة التّي تُمثل أمارات بيانية للسَّياق كان لها الأثر البالغ في المنظومة التّفسيرية عند الشّيخ الطُّوسِيّ.
2ــ اتّضح من البحث أهمية السَّياق في دلالة حُروف المعاني؛ ذلك أنه أثرى الفكر اللّغوي في استحصال الحكم الشرعي وإقامة الحجج العقائدية فبسببٍ من دلالة الحرف المتوقفة على طبيعة السَّياق بنوعيه صار النص مدار اختلاف المذاهب الأربع في توجيه النص القرآني، كما وجدنا ذلك في كثير من النصوص الواردة في متن البحث من ذلك آية الوضوء المبنية على السياق.
3ــ تعد دلالة حرف المعنى مظهرا من مظاهر الثّراء اللّغوي إذ تبيّن من البحث الفيض الدّلالي المتأتي من الحروف المستعملة في الآيات الواردة موضوع الدراسة في حرف واحد تتعدد الرؤى وتختلف التجليات.
4ــ تبيّن من الدراسة أن فكرة التضمين المتحصلة من الحروف لدى النحويين واللّغويين عائدة إلى السياق ومتوقفة عليه، ويعد سياق الحرف معيارًا في معرفة تضمين الحروف معاني حروف أخرى، ولعلاقة السياق بالبحث النحوي صُدِّرَتْ منهجية البحث بإيراد كلام النحويين أولًا ثم الآية ثم كلام المفسرين من قدماء ومتأخرين ومحدثين.
5ــ كشَفَت الدراسة عن اهتمام الطُّوسِيّ بفكرة التناوب بين الحروف وهو مذهب الكوفيين, وفكرة التضمين بالأفعال, وهو مذهب البصريين, وبذلك رجح المذهبين, ولم يكن منحازًا لأحد المذاهب .
6ــ السّياق اللّغويّ كان حاضرًا بشكل أوسع من السَّياق الحالي, فهو بمعناه الواسع يشمل السورة كلها, أو القرآن كله.
9ــ في ظل ما سقناهُ من قبل نقول: إنَّ السَّياق في القرآن الكريم, وألفاظه لا يمكن حصرها في دراسة واحدة, وإنَّما تفتح المجال لكلِ باحث أنْ ينهل من معينهِ الصافي. وسيبقى دومًا القرآن الكريم هو الجامع لكل علم, والملاذ لمن طلب الهداية والأمن, فهو الذي لا تنقضي عجائبه, ولا تنفد أسراره, ولا يخبو بريقه فمن قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل, ومن دعا إليه هدي إلى صراطٍ مستقيم. فعسى أن يكون الجهد الّذي بذلتهُ في خدمةِ القرآن الكريم قد وُفِّقَ لِتلك الغاية السامية , وإلّا فحسبي شرفُ المحاولة والغاية وحسن النية وثواب التّوجه وما الكمال إلّا لله وحده فهو نعم المولى ونعم النَّصير, ولَه الحمد أولاً وآخراً على فضلِهِ ورحمتهِ.