بلغت الحضارة الإسلامية في عصورها الوسيطة أوج عظمتها وازدهارها في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي, وقد كان القرن الثالث الهجري من تلك العصور يعد قرن تمهيد للوصول الى قمة الازدهار في حضارة الاسلام, والشاهد على ذلك الازدهار هو ما قدمه علماء الأمة الإسلامية من مؤلفات ومصنفات اثبتوا فيها افكارهم وتنوعها وشموليتهم للعلوم المختلفة التي خاضوا فيها, من علوم دينية وانسانية والتطبيقية(صرفة), كانوا قد برعوا فيها في التأليف والتصنيف, وكان الكم والنوع يتماشيان معاً, وكان لحركة الترجمة التي ظهرت في وقت مبكر في الدولة الإسلامية الاثر المهم في مزج علوم العرب مع العلوم التي كانت نتاج الامم السابقة لهم, فقدموا على إثر هذا الامتزاج الحضاري انموذجاً متقدماً نجحوا من خلاله بقيادة العالم أنذاك, وكان لاهتمام الخاصة والذوات بالعلوم المهمة والتشجيع على الخوض في غمارها, واستكشاف مكنوناتها اثراً واضحاً في الاقبال عليها من قبل العلماء, وكانت الهدايا التي تمنح لهم لها اثر مهم في تشجيعهم بالكتابة في مختلف العلوم او الترجمة من اللغات الاخرى الى اللغة العربية, تماشياً مع حركة ما يطلق عليه اسم(الفتوح), والدخول الى مدن كثيرة كان سكانها يختلفون لغة وحضارة عن العرب المسلمين, واصبح لزاماً على العرب التعايش مع تلك الشعوب والزمت تلك الشعوب بارتباطها السياسي والعقائدي مع المسلمين على تعلم لغة القرآن للتعبد فيها والتأليف بحروفها, وبهذه الطريقة التعايشية ظهرت طبقة من العلماء من غير العرب ألفوا وصنفوا في مختلف العلوم سيما الطب والفلسفة والهندسة والحساب, ناهيك عن التأليف بالمعاجم اللغوية وعلوم الاسلام المختلفة لتعليمها لسكان الشعوب المتنوعة الثقافات من المشرق في اقصاه الى المغرب في اقصاه, وبهذا ظهرت انشطة علمية في التكليف بالتأليف سواء من الطبقة السياسية او من العلماء الشيوخ الآخرين من تلامذتهم او العلماء المعروفين في ابداعهم بفن من الفنون, ولابد من التنويه هنا الى ان التكليف قد لا يكون الزامي بصيغة الامر او الاجبار وانما يأتي بصيغ اخرى كالطلب والالتماس والسؤال وما الى ذلك, وهذه الظاهرة انتشرت في كل مناطق الدولة الإسلامية قلبها وأطرافها الشرقية والغربية منها, وكان نتاجاً متميزاً شحذ من خلال هذه الظاهرة تارة, وتارة اخرى طمعاً في المكافئة سواء أكانت معنوية تلك المكافئة ام مادية.
ولابد من تسليط الضوء على ظاهرة مهمة جداً هي الأخرى ظهرت في العصور الإسلامية الوسيطة, ألا وهي ظاهرة اهداء المصنفات والمؤلفات, اذ سجلت لنا كتب التراث الاسلامي مجموعة كبيرة من المؤلفات التي تم تأليفها من قبل العلماء لتهدى الى شخص ما او لتهدى الى طائفة ما, وكان لقاء هذا الاهداء بالتأكيد مثوبة سخية وثمينة ومكرمة مادية تساوي ألاف الدنانير ربحاً او اقل, كالحضوة والتقريب والمكانة الى الشخص المهدى اليه ذلك الكتاب, وقد تنوعت الفنون التي ألفت واهديت, ولم تقتصر على علم او فن معين دون غيره, بل شملت مختلف العلوم المصنفة في الحضارة الاسلامية, كما لم تقتصر ظاهرة الإهداء لهذه المؤلفات على جهة او منطقة دون اخرى, بل ثبت وجودها في مشرق الدولة ومغربها وفي قلبها, كذلك شملت الامارات التي حكمت اطراف الدولة وقلبها على مر العصور التاريخية المحددة للدراسة, وبالتأكيد العصور السابقة واللاحقة لها, وهذه الظاهرة لها الإثر الواضح في التنافس بين العلماء لإظهار نتاجهم النوعي المهم, لكن لابد من الاشارة هنا الى نقطة جداً مهمة وضرورية, الا وهي ان هذه المؤلفات قد أثرت بشكل كبير على الدقة والثقة والأمانة في النقل والكتابة سيما ما يتعلق بالمؤلفات التي تخصصت بالعقائد والعلوم الدينية وعلم التاريخ, اذ لابد ان يكتب المؤلف ذلك الكتاب الذي يرغب ان يهديه, او انه الفه ليهديه الى خليفة او وزير او والي او احد الخاصة المتنفذين بما يتماشى مع اهواء ورغبات المهدى اليه الكتاب, وبالتالي فان وجود الاختلاف العقائدي الذي عم ارجاء الدولة الاسلامية قد اثر كثيراً على التوجه الفكري, سيما مع المؤلفات التي ألفت لتهدى, فبغداد كان يحكمها العباسيون, والمناطق التابعة لهم عمتها الفرقة المذهبية والتناحر العقائدي, كما انها تختلف مع مصر الفاطمية عقائدياً, وبلدان المغرب الاسلامي هي الاخرى قد انتشر فيها مذهب بابك الخرمي( )., ثم ان الاندلس فيها الخلافة الاموية التي حكمت قرطبة وهي تختلف عقائدياً الى حد كبير مع الفاطميين في مصر والعباسيين في بغداد والمناطق التابعة لهم.
واللافت للنظر ومما لابد من ذكره والاشارة اليه هو ان ظاهرتا التأليف والإهداء رافقتهما ظاهرة ثالثة وهي ظاهرة أتلاف المؤلفات, والتي وقفت وراءها اسباب عدّة, ومورست هذه الظاهرة بطرق مختلفة, فمن الاسباب التي وقفت وراء اتلاف المصنفات منها الضغوط العقائدية والخوف من الخصم الذي له سلطة وقوة يستخدمها في مصادرة تلك المؤلفات وأتلافها, واحياناً يعمل المؤلف نفسه على اتلاف ما كتبه من مؤلفات اما خوفاً من محتواها والذي ربما يتسبب باذى من الخصوم العقائديين, او انه يندم على ما كتبه ويحاول التخلص منه كي لا ينشر ذلك الخطأ الذي وضع فيه, او ربما يكون الاتلاف جماعي لأعداد كبيرة من الكتب, او اتلاف كتاب واحد او اكثر, او اتلاف مكتبات كاملة بما تحتويه من كتب أستهدافا لفكر معين ومحاولة اقصاءه وقد تعددت طرق الاتلاف فتارة بالأحراق, واخرى بالإغراق وتارة بالتمزيق, وبأي طريقة كان الاتلاف فالنتيجة هي استهداف فكر معين ومحاولة اقصاءه وتهميشه وابعاده, للتقاطع العقائدي او للتحاسد بين العلماء واستخدام السعاية والوشاية.
مما تقدم يمكن القول الكشف عن هذه المظاهر وتسليط الضوء عليها وقف وراء اهمية موضوع الدراسة, اذ تناولنا فيه مناطق الدولة الاسلامية المختلفة شرقيها وغربيها, مسلطين الضوء على الكثير من العلماء الذين ألفوا بالتكليف واهدوا مؤلفاتهم الى جهات معينة سواء أكانت هذه الجهات اشخاص ام مؤسسات, ثم تتبع مظاهر اتلاف المؤلفات بمختلف مناطق الدولة وبمختلف طرق الاتلاف, وهذا بحد ذاته قد سجل اهمية قصوى للتناقضات التي كانت تعم ارجاء الدولة الاسلامية, ومن هذه المظاهر ما قد سجل وعدّ بأنه مصدر قوة وازدهار, وغيرها يمكن ان يسجل كملاحظة او ظاهرة يفهم منها مدى الاختلاف الفكري والعقائدي, والتناحر بين الفرق الاسلامية والمكونات السياسية الحاكمة, مما اثر تأثيراً مباشراً على الصعيدين الداخلي والخارجي, والصعيدين السياسي والفكري, الامر الذي اثر على اوامر الترابط والتلاحم بين ابناء الامة الواحدة والدين الواحد, واسهم في تفكيك اللحمة الواحدة وتسهيل التدخل الخارجي الذي ساعد في تفرقة الامة وتحويلها الى كيانات متناحرة فيما بينها لأضعافها وتحقيق اهداف الاجنبي للتدخل المباشر وغير المباشر, وهذا ما حدث بالفعل.