تمثل قراءة التراث النقدي العربي عملية معرفية ذات طابع متجدد ومتغير ومنتج ؛ وذلك من حيث ارتباطها بالطرح المتجدد للأسئلة الفكرية والنقدية في كل مرحلة أدبية أو اتجاه نقدي ، ومن حيث ارتباطها في الوقت نفسه بإجابات متنوعة ومختلفة باختلاف هذه المراحل والاتجاهات ، وكذلك باختلاف القراء ومرجعياتهم المعرفية واتجاهاتهم النقدية ، والجوانب التي اتخذوها ميدانا للبحث والدراسة ؛ وهذا يكشف عن خصوبة التراث النقدي ، وتميزه بالانفتاح والتجدد ، تبعا لتغير الإشكال المعرفي الذي يتحكم في القراءة ، ويوجه معايير الحكم فيها ، كما تختلف نتائج القراءة وأشكالها باختلاف طبيعة الموقف من التراث النقدي ونوعية الوظيفة التي يراد لنصوصه أنْ تؤديها .
لقد مرّ النقد العربي في صبغته القديمة ، بسلسلة تحولات تطورية فكراً وممارسة في دراسة تحولات الأدب , والذائقة الفنية خلال مراحل تأسيسه ؛ محاولاً في ذلك التأسيس لنظم معيارية , وقواعد منهجية تهدف إلى ضبط تلك التحولات وحصرها ، والإحاطة بها من عصر إلى آخر ، ما كان سبباً في نشاط الحركة النقدية وتطورها التي دارت حول نصوص إبداعية لشعراء وكتاب وعوا هذه التحولات واستجابوا لها , ولنقاد أدركوا قيمة هذه التحولات فضمنوها نتاجاتهم النقدية .
والتراث النقدي العربي زاخر بالمصنفات النقدية ، التي ارتبط ظهورها بتنوع واختلاف القضايا والاتجاهات الأدبية والنقدية للنقاد القدماء ، لما أنمازت به العصور الأدبية والنقدية من تنوع ثقافي وثراء إبداعي وكثرة الشعراء ومتذوقي الأدب ، بدءاً من القرن الثاني مروراً إلى القرن الرابع , فالخامس للهجرة اللذين يمثلان قمة التحولات في التأليف النقدي , وهما بحق قرنا النقد الأدبي , إذْ التقت فيهما الروافد الثقافية , واستوى النظر والتفكير النقدي ، ونضج النقد التطبيقي ، ورغم أَنَّ القضايا النقدية التي طرحت وتبلورت إلى حدود القرن الثالث الهجري لم تختلفْ , إلا أنها عرفت تجسدها مع الدارسات المتطورة في القرنين الرابع والخامس للهجرة انطلاقا من توجهات واهتمامات مختلفة حقق بعضها للنقد الأدبي القليل من التحديد والتميز, وقد اهتم النقاد بالتأصيل والتأسيس ، كما اتجهوا إلى النقد التطبيقي في قراءة النصوص ، وهو ما اتصل بقضايا أدبية ونقدية أسهمت في ذلك أهمها : اللفظ والمعنى ، والحداثة الشعرية , والمذهب القديم في القول الشعري، وقضية الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم ، وقضية السرقات الشعرية , والخلق الشعري وغيرها ، وقد أدى البحث في أصول هذه القضايا ومباحثها إلى تحول وانتقال النقد الأدبي من التأصيل إلى المنهجية , فقد شهد القرن الرابع تحولات واعية للنقد تجسدت في التوجه المنهجي بشقيه النظري والتطبيقي ؛ الذي تجلى عند النقاد التطبيقيين مثل الآمدي (371هـ) ، والمرزباني (384هـ) ، ولا شك أن القرن الخامس الهجري من أخصب القرون وأحفلها بالتطور والتحول النقدي , وممن مثله ابن رشيق القيرواني (456هـ) , ووصل حد الذروة مع عبد القاهر الجرجاني (471هـ) ، وبين هؤلاء النقاد ومصنفاتهم العديد من النقاد والمؤلفات النقدية العامة والمتخصصة التي أسهمت منفردة ومجتمعة في دفع عجلة التفكير والتطبيق النقدي نحو المنهجية , وفي ظل هذا التحول الكبير لم يكنْ بوسع الناقد العربي إلا أنْ يقوم بتغيير الرؤية القديمة التي ظلت أسيرة الانطباعية والأحكام القيمة , والتي أولت أهمية كبيرة لخارجيات النص من ظروف اجتماعية وملابسات تاريخية وتوجهات إيديولوجية , والدعوة إلى ضرورة الاستعانة بأدوات نقدية جديدة على غرار ما يستجد من مناهج حداثية .
وصولاً إلى القرن السابع والتاسع الهجريين , ندخل مرحلة جديدة من التحولات تمثلت في تعميق الوعي بالأبداع الأدبي , ومن أبرز نقاد هذين القرنين هما حازم القرطاجني (684هـ) , وأبن خلدون (808هـ) , وممّا هو مؤكد أنّ هذا الوعي النقدي عند العرب الـذي احتوته هـذه العصور بـاخـتـلاف أوضاعها وأحـوالها السيـاسية والاجتماعية.... قد شكل المسار الفني لتطور الفكر النقدي العربي القديم .
وضمن ذلك يندرج موضوع هذا البحث ؛ الذي نحاول من طريق النظر في حدود الحركة الإبداعية والنقدية من زاوية أثر تلك المباحث والقضايا في ضبط القراءة النقدية للنصوص الإبداعية ، بدءاً من القرن الثاني الهجري أي مع بداية مرحلة التدوين , وانتهاءا بالقرن التاسع الهجري ؛ كما نسعى إلى محاولة النظر في المدونات النقدية التي اخترناها نماذج للبحث ، وهي مدونات لها سمتها الحيوية ، والتي تحددت معها معالم التنظير والتطبيق النقدي في محاولة لتقديم قراءة نقدية تنظر في الخطاب النقدي لها من الناحية المنهجية في قراءة النص الإبداعي ، وأثر القضايا النقدية في تبلور وتأطير تلك القراءة ، لتتحدد الإشكالية في تتبع المنهج القرائي لهؤلاء النقاد ، وكشف الثابت والمتحول في قراءتهم ، في محاولة لرصد وتتبع تجليات النظرات النقدية وتمظهراتها على المستوى التنظيري والتطبيقي .
إِنَّ الإشكالية المطروحة في هذا البحث تتمحور حول تتبع تحولات التأليف النقدي العربي القديم من منظور قضايا النقد ، وأثرها في بناء المنهج وتحديد آلياته ، ضمن معطيات الدرس النقدي الحديث بحيث يتجه إلى التركيز على هذه القضايا بعدها مدخلاً منهجياً لرصد وقراءة تحولات المنحى الإجرائي لتلك المدونات النقدية مع ملاحظة مدى توافقها مع ما توصلت إليه النظريات النقدية الحديثة في دراسة النصوص الأدبية الأمر الذي غفلت عنه كثير من الدراسات التي عرضت للنقد القديم بطريقة تقليدية متمسكة بالقديم .
من هذا المنطلق جاء عنوان البحث بـ (( تحولات التأليف في النقد العربي القديم في ضوء معطيات النقد الحديث )) .
وللإجابة على الاشكالية توسد البحث المنهج الوصفي التحليلي في عرض ملامح التحولات ، وتقنيات النقد واستقصاء النصوص النقدية التي مستْ القضايا المطروحة للدراسة ، وكان المنهج مشفوعاً بعملية التحليل للمادة النقدية المتوافرة قدر الإمكان بغرض استخراج مواقف أصحابها في كل قضية نقدية , ومتابعة التطور والتغيير , كما أفدنا من المداخل اللغوية والبلاغية في ضمن ذلك ، إضافة إلى التسلسل التاريخي في تتبع قراءة تطور النقد العربي القديم وتحوله وصولاً إلى القرنين السابع والتاسع الهجريين .
وقد شكلت الإشكالية المطروحة مرجعاً في تصميم أفكارها في ضمن خطة منهجية منظمة ، جاء تقسيمها إلى تمهيد وثلاثة فصول مصدرةً بمقدمة ومذيلةً بخاتمة ، يحمل التمهيد عنوانّ ( التحول التاريخي والمرجعيات الثقافية في ضوء مرحلتي الشفاهية والكتابية ) ؛ حاولنا فيه تحديد بعض المفاهيم والمصطلحات وتحولاتها المعرفية والتاريخية كالتحول واللغة ، إضافة إلى الوقوف على بعض الملامح الثقافية والنقدية للقرون بدءا من الأول الهجري , وانتهاءا بالقرن التاسع الهجري , ودراسة مرحلتي الشفاهية والكتابية وأثرها في إحداث التحول النقدي .
أما الفصل الأول الموسوم بـ ( الملامح النقدية للتأسيس النظري ) , فقد جاء على مبحثين المبحث الأول تطرقنا فيه إلى محركات الدرس النقدي القديم التي ساعدت على ظهور النقد ونشوئه , ليبرز كعلم جديد له قواعده وأحكامه , في ظل حركة علمية متطورة ومتفاعلة , أما المبحث الثاني , فقد جاء في أهم القضايا النقدية الكبرى , وأثرها في التأسيس النظري النقدي , مثل ( عمود الشعر ونظرية النظم ) التي شغلت النقاد والدارسين بالبحث قديماً وحديثاً ، بما أحدثته من تحولات على مستوى المفاهيم والتصورات ، ودورها في تحديد آليات وسمات التطبيق النقدي , وحركة تأليف الكتب والمؤلفات النقدية , فقد شكلت مواقف النقاد من هذه القضايا تحولات واعية وجذرية في حركة التأليف النقدي , من طريق مناقشة آراء النقاد حول هذه القضايا .
وجاء الفصل الثاني بعنوان ( منطلقات النظرية النقدية "الاكتمال النظري" ) , والذي جاء على مبحثين , أوردنا في المبحث الأول منه أهم المصنفات النقدية بدءاً من صحيفة بشر بن المعتمر مروراً بأبن سلام والاصمعي , وانتهاءاً بالجاحظ , المبحث الثاني , فقد اشتغلنا فيه على الحراك الثقافي وتحولات النقد الأدبي عند العرب حتى القرن الخامس الهجري , وقد وقع اختيارنا على مجموعة من المصنفات النقدية دون الأخرى , وبحسب التسلسل الزمني ؛ بناء على أهميتها البالغة في رصد حركة تحولات التأليف النقدي الأدبي عند العرب , ونضجها من ناحيتي الفكر والممارسة النقدية .
أمّا الفصل الثالث الموسوم بـ (النظرية التكاملية بين ما قبل وما بعد ) والذي جاء على مبحثين أيضاً , فقد تناولنا في المبحث الأول منه مفهوم النظرية في اللغة والاصطلاح , ثم عرجنا على تتبعها في المدونة النقدية القديمة , ومدى توافقها مع نظريات الدرس النقدي الحديث , ممثلين لها بجهود كل من النقاد ابن الأثير وحازم القرطاجني وابن خلدون , إذ تمثلت جهودهم النقدية في إعادة صياغة لبعض القواعد والأحكام النقدية , وتصحيح مسار البعض منها , أما المبحث الثاني , فقد اشتغلنا فيه على قضية في غاية الأهمية , وهي قضية أصالة النظرية النقدية , وأصالة آراء نقادنا وأحكامهم في الحكم على النصوص الشعرية والنثرية , وعلى الرغم من وجود بعض التأثيرات والتمازج الثقافي مع الأمم الأخرى ؛ إلا ان هذا لا يقدح في الثقافة العربية كون التمازج بين الثقافات المختلفة أمر محتوم ومُتفَق عليه , فلا نشك أبداً في الوصول إلى نقد عربي أصيل مزدهر ومتطور .
وجاءت الخاتمة محتوية على أهم ما وصلنا إليه من نتائج علمية وملاحظات موضوعية .
وما كان ذلك ليستوي على صورته لولا قاعدة من المصادر والمراجع ، أخذت بيد البحث منذ أن كان فكرة .
هذا ولم يخل إنجاز البحث من بعض الصعوبات ، منها غزارة المادة النقدية واللغوية والبلاغية ، التي بني عليها تأليف المصنفات النقدية القديمة ، وصعوبة الإحاطة بها ، لتناثرها على غير الترتيب الذي اعتمدناه نظاماً بنائياً لخطة البحث ودراسة مادتها في متنه , إضافة إلى أنَّ الباحثةً لم تعثرْ على دراسة وافية بهذا العنوان تستوفي المادة المدروسة في هذا البحث .
ونختم هذه المقدمة ، بأصدق عبارات الشكر وجزيل الامتنان لصاحب الفضل بعد الله في إنجاز البحث ، الأستاذ المساعد الدكتور "مازن داود" ، لتكرمه بالإشراف على هذا البحث ، ورعايته له توجيهاً وتقويماً ، وتسخيره من وقته وعلمه وسعة صدره ما أعان على تجاوز الصعاب .