القرآنَ الكريمَ نبعٌ يستقي منه الباحثون دراساتِهم مجتهدين مادامتِ الصّلةُ به كتابًا هاديًا في العصور جميعها, وقد تنوّعتِ الرؤى التي اتّجهت إلى دراسة (لغة القُرآن الكريم) بوصفِها لغةً قابلةً لإقامةِ عَلاقاتٍ دائمةِ التجدّدِ مع المتلقّي المتأمّل المتدبِّر، وكوني مقبلة على كلام الله تعالى لأقف عند آيات من الذكر الحكيم, أتحرّى فيها دقائق المعاني المقصودة, معنية بالكلمة ودلالاتها في ضوء تعاقبها مع كلمات أُخَر داخل النص الواحد؛ لتفصح عن دَلالاتٍ عميقةٍ يُقرُّها النصُّ نفسُهُ.
و إنَّي آثرت اسْتعمالَ مصطلحِ (قصدية التعاقب ) - بحسب التوجيه الإِشرافيّ على هذه الرسالة-؛ لدقّتِهِ البيانيّة العميقة التي جاءتِ هذه الرسالة قائمةً عليها ، ولعدم وقوع الاشتراك فيها، بخلافها من المصطلحات المرادفة.
وبعد إنعام النظر في المادة المجموعة، واستقراءِ ما انتظم فيها من شَوَاهدَ قامتْ عليها دراستي هذه؛ شرعتُ أضعُ- بالنقاش مع أستاذي المشرف- خطّةَ البحثِ التي كانت قائمة على فكرة نحوية نسقت فيها العرض وفق الأبواب النحوية فبدأت بالاسم ثم الفعل ثم الحرف, وبذكر المرفوعات فالمنصوبات فالمجرورات بحسب ما ذهبت إليه المصنفات النحوية, أما التحليل الداخلي كان قائمًا على المعنى الدلالي فأجريت الدراسةعلى هذه النماذج بين الميدان النحوي والدلالي كلًا يكمل الآخر, فجاءت في ثلاثة أَفصُلٍ تسبقها مقدمةٌ ، وتمهيدٌ، وتَقْفُوها خاتمةٌ بيّنتُ فيها أهمَّ النتائجِ التي توصّلتُ اليها. فجاء التمهيدُ الذي وسمته بـ (التعاقب والقصدية (مُقَاربةٌ تأصيلية) في ضوء الوصل والفصل) لبيان تأليف الرسالة من فروعه المثبوثة في أفصلها الثلاثة أمَّا تعاقبُ (الجمل, وأشباهها) فلم يسعِ الوقتُ لإدراجها ضمن رسالتي هذه لكنني- بمشيئة الله تعالى- سأنجزُ موضوعها قريبًا ليتحقق لي نشر هذا العمل كتابًا بعد فضل لجنة التحكيم العلمي بإقرار هذه الرسالة بما يناسبها من قرارٍ وهي تأتي في خدمة النصّ القرآني لغويًّا ودلاليًّا ؛ لكشف الوجه الإعجازيّ للتعاقب في النصِّ القرآنيِّ.
جاء الفصل الأول منها بعنوان (التعاقبُ الاسميُّ) درستُ فيه التعاقب الاسمي القائم على ورود الاسم أول مرة في الآية القرآنية التي ورد فيها التعاقب بصرف النظر عن ورود الأفعال أيضًا في هذه الآية. وتأسّس على مبحثين، الأول منهما بعنوان: (تعاقب الأسماء بالوصل). وقد احْتَوى على ثلاثة مطالب، الأول منهما: (تعاقب المرفوعات)، والثاني: (تعاقب المنصوبات)، والثالث: (تعاقب المجرورات), أما المبحث الثاني، فتضمّن الحديثَ في (تعاقب الاسماء بالفصل)، وقد تفرّع على ثلاثة مطالب, هي: (تعاقب المرفوعات)، و(تعاقب المنصوبات)، و(تعاقب المجرورات).
وانعقد الفصل الثاني بعنوانه (التعاقب الفعلي) وقد درست فيه التعاقب الفعلي القائم على ورود الفعل أول مرة في الآية القرآنية التي ورد فيها التعاقب بصرف النظر عن ورود الأسماء أيضًا في هذه الآية. وجاء على مبحثين, الأول جاء بعنوان: (التعاقب الفعلي بالوصل), وتضمن ثلاثة مطالب: الأول: (تعاقب الفعل الماضي) , والثاني : (تعاقب الفعل المضارع بالوصل), والثالث: (تعاقب أمر الفعل), وسبب هذه التسمية عرضت لها في المبحث الخاص بها, وانعقد المبحث الثاني بعنوان: (التعاقب الفعلي بالفصل) واشتمل على ثلاثة مطالب, هي: (تعاقب الفعل الماضي) و(تعاقب الفعل المضارع), و (تعاقب أمر الفعل).
والفصل الثالث جاء بعنوان (التعاقب الحرفيّ) بمنهج مختصٍّ بالحرف نفسه؛ فكان على خمسة مباحثَ، هي: (التعاقب الأحاديّ)، و (التعاقب الثنائيّ)، و( التعاقب الثلاثيّ)، و(التعاقب الرباعيّ) , والمبحث الخامس جاء بعنوان: (تعاقب الحروف مطلقًا) تناولت فيه التعاقب بين الأحرف المختلفة .
وقَدِ اتَّخذتُ المَنْهجَ التحليليَّ الاستقرائي في عرض النصّ التطبيقي وقراءة من هذا النص من قصدية للتعاقب واستنتاج الحكم النحوي والبلاغي منه؛ لأنَّ النصّ القرآني أسبق من القاعدة النحوية ومن التحليل الفكري والبلاغي لذا اعتمدت على قصدية التعاقب حتى في دراسة النص القرآني, فالأول هو النص القرآني يعقبهُ تحليلهُ.
استقيتُ مادة دراستي هذه من مظانّها الرئيسة من مصادر، ومراجعَ جاء القرآنُ الكريمُ في مقدّمتها ، إذ إنه أساسُ الدراسةِ ومصدرُ شواهدِها، وقد وضعتُ لها ثبتًا في آخرِ الرسالةِ.
وقد تَكَأّدَتْ مهمتي في كتابة هذه الرسالة عَقباتٌ كثيرةٌ, أهمها: ضيقُ الوقتِ، مقابل سَعَة البحث الفكريّ التحليليّ من جهة العرض, والنقاش واحتمال أكثر من رأي، فضلًا عن جِدّةِ الموضوع وطرافته إذ يُعدُّ فكرةً جديدةً في الدّرسِ النحوي القُرآنيّ الذي لا نهاية لفيوض دراساته. وتوصّلت بفضل الله (جلّ جلالُهُ) إلى جملة من النتائج، ذكرتها في خاتمة البحث.
ويحقّ لي في المُنْتَهى أنْ أقدّم الامتنان الصادق، والشكر الجزيل إلى صاحب الفضل - بعد الله (عزّ وجلّ) - في إنجاز هذا العمل الأستاذ الدكتور (عليّ عبدالفتّاح الحاج فرهود) المكرّم الذي كان صاحب اليد الأولى في استزراع هذه الثمرة، حتى استوى قطافها على سُوْقه؛ فغدا جنى دانيًا نافعًا، في ضوء رعايته الكريمة، وهو يقرأ أفصُلَ رسالتي هذه متابعةً وتوجيهًا. ويرشد فيه إلى مَنْ أسألهُ وأفيدُ منه, وإلى ما انتفع في مضمونه؛ فأسأل الله أنْ يُطيلَ في عُمرِهِ.
وفي الختامِ اللهَ (جَلّ جلالهُ) أسألُ أن يجعل هذه الرسالةَ لبِنةً في صرح بناء الإعجاز القرآنيّ، وأن يجعلني بها في سجل أهليه وخاصّتهِ، فإن كنتُ أصَبتُ فَمِنْ فضله وإنعامه عليَّ ، وإن كنت قصَّرتُ أو قَصُرَت قدرتي فإنّي أسأَلُ العفوَ من رحمته ؛ وأقرُّ- له - بأنني بشرٌ لا كمال عندي.