يعرف الطبخ أو الطهي أو إنضاج الطعام على انه عملية لجعل المواد الغذائية الخام جاهزة للأكل من خلال تسخينها بالحرارة المتولدة من حرق مواد صلبة كالحطب والخشب والفحم وغيرها فضلا عن مواد اخرى سائلة وغازية، وعادة مايتم بطرق متعددة من خلال وضع المواد المراد طبخها مباشرة على النار, وتعرف هذه الطريقة بـ(الشواء)، أو طبخها عن طريق تسخينها بالماء وتعرف هذه الطريقة بـ(السلق), أو من خلال وضعها في مقلات الزيت, وتعرف هذه الطريقة بـ(القلي)، ويُعد الطبخ من لوازم الحياة اليومية الأساسية التي يمارسها الانسان, وتكمن أهميته في كونه الوسيلة الرئيسة لإنضاج وصناعة الطعام وتحويله من هيئته الطبيعية (النباتية والحيوانية) الى وصفات غذائية ذات قيمة غذائية عالية, وهذا الغذاء يُشكل طاقة الأنسان اليومية، وقد أدرك الانسان العراقي القديم ومنذ عصور موغلة في القدم, انه لايمكن العيش من دون مزاولة نشاطاته اليومية، وهذه النشاطات تتطلب بذل المزيد من الجهد, وفي مقدمتها تأمين لقمة العيش من جهة وتأمين الحماية اللازمة من جهة أخرى، وهذا الجهد يقتضي تزويد الجسم بالطاقة الكافية عن طريق توفير الطعام اللازم من أجل استمرارية الحياة اليومية، وهذا بطبيعة الحال يفسر سعة انتشار الأواني والادوات, وكذلك المواقد والافران والتنانير الخاصة بتحضير وطبخ الطعام ضمن المناطق المنقبة، ويستنتج منها ان الانسان في بدايات تواجده في بلاد الرافدين, كان يستخدم الطعام الخام النباتي والحيواني، وبمرور الزمن ونتيجة لتعقيد الحياة, وازدياد اعباء العمل, اقتضت الضرورة الى تحسين نوعية طعامه عن طريق استخدامه لوسائل مبتكرة عديدة، الامر الذي دفع به الى زيادة الاهتمام بصناعة الطعام وتنضيجة بدرجات حرارة عالية, أو متوسطة, وهذه العملية عُرفت بمصطلح (الطبخ)، وتعني تحويل الطعام من هيئته التي عثر عليها في الطبيعة الى مادة أفضل, تمتاز بطعم ورائحه زكية, تكون أكثر مقبولية وفائدة لدى الانسان، وقد اكدت الاثار المادية والنصوص المسمارية على جهود العراقيين القدماء في هذا الجانب، إذ تم التعرف على أنواع مختلفة من الأكلات بعضها لايزال يستخدم الى يومنا هذا، وهذه الدلائل الأثرية تشير الى تفوقهم الواضح في مجال الطبخ، معتمدين بذلك على ادوات وآلات ابتكروها من المواد الطبيعية المتوفرة في بيئتهم المحلية، فضلا عن معرفتهم بالنار التي كانت, ولا تزال تشكل العنصر الاساسي في تحضير الطعام، وقد أبدع الانسان في تحضير الوصفات والأكلات المتنوعة وصاحب عملية تحضيره تلك الوصفات إنبعاث رائحة مميزة, تجعله يشعر بالراحة والابتهاج وزادت من امكانية تمتعه بالصحة الجيدة، وربما تكون عملية الطبخ هي الطريقة الأقرب لفهم نمط الحياة اليومية ومعايشة الحضور الفعلي للأنسان في العصور القديمة, وهذا الامر لا يتعلق بطهي الوصفات المتنوعة فقط، إنما يتعلق بأذواق هؤلاء الناس في تلك العصور, والأفكار التي كانوا يؤمنون بها, ومن بينها عادة تناول الطعام، وقيمة الأطعمة المتنوعة التي كانت تقدم في المناسبات الدينية والاحتفالات العامة.
يهدف البحث إلى التعرف على نشاطات العراقيون القدماء في مجال الطبخ وتنضيج الطعام والطرق التي استخدموها في ذلك، فضلاً عن الادوات والآلات التي ابتكروها لتسهيل عملية الطبخ وهذا بطبيعة الحال يلقي الضوء على التطور الفكري والحضاري الذي كان يعيشه الانسان آنذاك, والذي انعكس بصورة كبيرة على السلوك الاجتماعي للأنسان العراقي القديم، فالولائم والعزائم التي كانوا يقيمونها كانت تاخذ بعداً اجتماعياً يهدف دائماً الى تماسك البنية الاجتماعية والتخفيف من التوترات الناجمة عن التحديات التي يواجهها الانسان في العراق القديم , وضبط النسيج الاجتماعي وحفظ عاداته وتقاليده, وفي نفس الوقت فهو يعكس البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع ويوضح الفروقات الاجتماعية بين طبقاته ويقدم نموذج في تطور المجتمع, ويعكس صورة افكار الإنسان وسلوكه وأنطباعه من خلال تحضير الطعام وطريقة تناوله.
ولغرض تغطية الموضوع الموسوم (الطبخ في العراق القديم دراسة في ضوء المعطيات الآثرية), فقد قسمت الرسالة على ثلاثة فصول سبقت بمقدمة وانتهت بخاتمة واستنتاجات، وكانت كالآتي:
الفصل الأول: تناولنا فيه المواد الطبيعية الاساسية المستخدمة في الطبخ، وجاء تحت عنوان (الأسس الاقتصادية (المنتجات الزراعية والحيوانية) في العراق القديم) وتضمن ثلاث مباحث المبحث الأول تناولنا فيه(النبات الطبيعي والمحاصيل الزراعية)، بينما تضمن المبحث الثاني(الحيوانات والطيور البرية والمدجنة)، وجاء المبحث الثالث بعنوان( المنتجات الغذائية الاساسية), وذُكر فيه اهم المنتجات الغذائية الأساسية النباتية والحيوانية.
الفصل الثاني: فقد طرقنا فيه الى أماكن الطبخ, وطرق تحضير الاطعمة, وجاء بعنوان (الطبخ ومستلزماته) تضمن ثلاثة مباحث ايضا, وجاء المبحث الاول بعنوان(المطبخ ومعدات الطبخ), وتضمن المبحث الثاني(اواني وادوات الطبخ), كما جاء المبحث الثالث بعنوان(مطيبات الطبخ), وتعرفنا من خلاله على معلومات كثيرة, تخص التوابل والمطيبات الاخرى.
وختمت الرسالة بالفصل الثالث, وكان تحت عنوان ( تحضير الطعام والوصفات الغذائية), وقد احتوى على ثلاثة مباحث, تحدثت في المبحث الأول عن (الطباخ وخصوصية الطعام المطبوخ), كما تضمن المبحث الثاني(نماذج من وصفات الاطباق الرئيسة في العراق القديم), أما المبحث الثالث فقد ذكرت فيه (طبخ وتحضير مكملات المائدة) وتطرقت فيه الى المشروبات والمعجنات المفضلة عند العراقيين القدماء.
وفيما يخص الدراسات السابقة بالنسبة لمناطق العراق القديم, فَلم أجد سوى موضوعات متفرقة ضمن رسائل وأطاريح أكاديمية, لم تدرس موضوع (الطبخ في العراق القديم), كوحدة موضوع متكاملة بجوانبها المختلفة، إنما اقتصرت على طرح فكرة الطبخ بصورة عامة، وقد استفدت كثيراً من الدراسات التي رفدتني بالكثير من النصوص والمشاهد الفنية والنقوش التي عثر عليها في مواقع أثرية مختلفة في مناطق بلاد الرافدين، ومعرفة بعض الجوانب الخاصة بالطبخ, واعتمدت في دراستي على جملة من المراجع العربية ومنها الغذاء في حضارة بلاد الرافدين لـ (ماجد بشير الأسود وحكمت بشير الأسود) وتقاليد الطبخ والطعام في العصر الاشوري الحديث لـ (ريهام مسكه وحسان عبد الحق) والمواقد والأفران في العراق القديم لـ(عبد الرحيم حنون عطية)، ومن الكتب المعربة التي رفدت رسالتي بمعلومات مهمة، كتاب الطبخ في الحضارات القديمة لـ(كاثي كوفمان), ألواح سومر لـ