لا غنى لعلم الأصول عن اللغة , بل لا يكاد ينبلج صبح الأصول من دون البحث عن الألفاظ اللغوية , والإحاطة بمعانيها , ومعرفة استعمالاتها وتراكيبها , وطرق الوصول إلى مدلولاتها ؛ ولذا كان أول ما بحثه الأصوليون هو اللفظ العربي , من حيث إفراده وتركيبه , واشتراكه , وعامه وخاصه , واطلاقه وتقييده , ومنطوقه ومفهومه , وما شابه ذلك مما يقع في طريق استخراج الأحكام الشرعية من النصوص القرآنية والأحاديث الواردة عن المشرِّع الإسلامي ( المعصوم عليه السلام ), لذا نجد في جُلّ الكتب الأصولية أبواباً عنونت - قديماً - بـ ( بابٌ في اللغات )( ) - وحديثاً - بـ ( مباحث الألفاظ ) وتسمى أيضاً بالمبادئ اللغوية , وما هذا الاهتمام باللغة إلا للأثر الذي يترتب عليها في استنباط الأحكام الشرعية ؛ لأنَّ البناء اللغوي يستتبعه بناء شرعياً بحسب ما يُفهَم منه ؛ ولهذا نرى الفقهاء مختلفين في فروع الأحكام تبعاً لاختلافهم في الأصول اللغوية العربية التي اعتمدوها في استنباطاتهم .
ولا يخفى مدى ارتباط علم الدلالة بعلم الأصول ؛ بل لعلم الدلالة ارتباط وثيق بعلوم كثيرة كعلم النحو والمنطق والمعاني والفلسفة وحتى العلوم اللغوية الحديثة , لذا يصح تسميته بالعلم العام لارتباطه في علوم مختلفة , فأهمية علم الدلالة تأتي من دراسته للمعنى , ومن المعلوم أنَّ المعنى هو بغية الأصولي والمنطقي والنحوي وغيرهم .
وبحكم دراستي الحوزية السابقة لأصول الفقه أولاً , ولقلة مَن كتب في هذا النوع من البحوث ثانياً ؛ صارت عندي رغبة في البحث عن جهد الأصوليين الدلالي , مختاراً في هذه الدراسة كتاب ( المحكم في أصول الفقه ) للسيد محمد سعيد الحكيم ( رحمه الله ) محوراً للبحث , فكان العنوان ( المباحث الدلالية عند السيد محمد سعيد الحكيم في كتابه المحكم في أصول الفقه ) , وهو من إفاضات استاذي الدكتور صالح كاظم عجيل الجبوري - سدد الله خطاه - أما سبب اختياري لهذا الكتاب فلأنَّ مؤلفه لم يكن من الأصوليين العقليين - أي الذين يكثرون الاعتماد على الفلسفة في بناءاتهم الأصولية - بل كان من الأصوليين العقلائيين - أي الذين يعتمدون العرف اللغوي العام السائد بين أفراد المجتمع اللغوي في فهم الكلام الصادر عن أي متكلم - , بخلاف بعض الدراسات السابقة التي تناولت أصوليين عقليين كالعراقي والسيد الخوئي والشيخ المظفر وغيرهم , فضلاً عن أنَّ الدراسات السابقة - بحسب الظاهر منها - لم تكن بأيدي متخصصين في الدرس الأصولي إلا لمن له حظ فيه بقدرٍ ما , مع ذلك كانوا مشكورين في جهودهم التي بذلولها في هذا الباب من التخصّص , إضافة إلى فضيلة السبق التي حازوها .
أما الهدف من الدراسة , فهو :
- الكشف عن الجهد الدلالي عند السيد محمد سعيد الحكيم في كتابه المحكم .
- بيان الإضافات المعرفية التي شارك فيها السيد الحكيم في بحثه الأصولي بتوظيف بحثه اللغوي .
- بيان جهة الفرق بينه بوصفه عقلائياً وبين الأصوليين الآخرين , بوصفهم عقلانيين في منهجه , ونتائج ذلك الفرق في منهجه وبحثه.
- لكي نحقق أهدافنا في الدراسة لا بُدَّ من أن نطرح أسئلة معرفية تحقق لنا ذلك :
1- هل كان للسيد الحكيم جهد دلالي ؟
2- هل كان للسيد الحكيم إضافات معرفية في البحث الاصولي في نتائج بحثه اللغوي؟
3- هل كان للسيد الحكيم منهج بحثي أصولي في طروحاته , تختلف أو تلتقي مع الأصوليين السابقين؟
4- هل كان له تجديدات منهجية في كتابه المحكم ؟
5- أي الأدلة التي كان يرجحها السيد الحكيم في بحثه الأصولي , العقلية , أو النقلية , أو العرفية اللغوية ؟
6- هل كان السيد يستعمل الأدلة نفسها التي يستعملها سابقوه من الأصوليين , أو كان يبتكر أدلة أخرى جديدة ؟
7- أي الأصوليين السابقين تأثر السيد الحكيم بأفكاره وطروحاته أكثر من غيره ؟