لا يشكُّ ذو مسكةٍ أنّ القرآن الكريم لا يزال غَضًّا طّريًّا مهما ازدادت فيه الدِّراسات إن تعددت أو اختلفتِ المجالات, وهذا سرٌ إلهيّ كامنٌ وراء تلكم الآيات البيّنات, فتنبري بين حينٍ وآخرٍ جهودٌ تفسيريّةٌ, قد ظهرت في الآونة الأخيرة عدّةٌ من التّفاسير قدّمتها نخبة من المفسّرات, كان من الجدير الوقوفَ عليها لأهميّتها, لذا تقدّمت استاذتنا مشكورةً بطرح عنوان (نقد التّفاسير النّسويّة- دراسة تحليليّة) والتي أشرفت عليّ فيه, ولكثرة التّفاسير النّسويّة وبعد استشارتها أُختيرَ منها خمسة(التّفسير البيانيّ للقرآن الكريم لبنت الشاطئ, وتفسير (نظرات في كتاب الله) للدّاعية زينب الجبيلي الغزالي وهو تفسير كامل, و(مدونات التّفسير) للدكتورة حنان اللحام فسّرت جملة من السور , وتفسير (المبصر لنور القرآن) للداعية نائلة هاشم صبري وهو أيضًا تفسير كامل, وتفسير (التّوضيح والبيان في تفسير آي القرآن) للدكتورة ماجدة عبد الرزاق الفارس الشّمري, انتهت بتفسيرها إلى نهاية سورة النّحل من الجزء الرابع عشر من القرآن الكريم. , وبمجموعها كانت (36) مجلدًا,
أولاً : سبب اختيار العنوان :
كان السبب من اختيار هذا العنوان لدراستنا واختيار هذه التفاسير دون غيرها, نوجزه بما يأتي:
- إنّ هذا الموضوع لم يدرس -من قبل بصورة جمعيّة بلحاظ النّقد- في رسالة أو أطروحة وإن دُرس بعضها بصورة فرديّة فهو بمنأى عمّا تصبو إليه دراستنا, كما سنشير إليه بعد قليل .
- وضع اليد على تلكم التّفاسير بإبراز مظاهر التّجديد في المنظومة التّفسيريّة النّسويّة , مع كونها منتميّة لمدرسة واحدة في التّفسير وهي مدرسة الصّحابة, وهو الجامع بين هذه التّفاسير المختارة .
- إماطة اللثام عن هذه المدونات التفسيريّة وتتبع موضوعاتها على وفق ما تضمنته خطة الدراسة وقوفًا على مباني وأصول التّفاسير وقواعدها, وبيان موضوعاتها المتعلقة بعلوم القرآن وتأريخه ودورها في التّفسير, ممّا تبرز قيمتها العلميّة للذات حيث أنّها تُعدّ ظاهرة جديرة بالذّكر لاسيما إن دشنتها (النّساء) في هذا الميدان وهنّ في ذلك محل تقديرٍ واحترام . أمّا آرائهن العلميّة فهي عرضة للمناقشة أخذًا وردًا بكل شفافيّة وموضوعيّة .
ثانيًا : أهداف الدّراسة :
تأتي أهداف وقيمة هذه الدراسة بما للنّقد التّفسيريّ من أهميّة في وقتنا الحاضر, فعمليةُ النَّقد تكمنُ في جملة من النّقاط أهمّها :
- الدّراسة النَّقديّة تهدفُ إِلى معرفة مدى تأثّر المفسّر بآراء من سبقه, وبيان معرفة الرأي الرّاجح الذي انتهى إليه المفسر في تفسيره, وسبب ترجيحه على غيره, أو تقديم نقدٍ مباشر لرأيه بما يستدعيه المقام .
- معرفة الأدوات والمصادر المعتمدة التي ساعدت المفسّر في إبراز المعنى الأكثر قربًا من فهم النّص القرآني ومراده.
- تهدف إِلى مدى التزام المفسر في المنهجية التي أقرَّها على نفسه ان كان مصرِّحًا بها في طليعة مدونته, أو عن طريق التتبع الذي انتهى اليه البحث .,ومن دون أدنى شكّ بظهور سعة المعارف والعلوم التي تسلّح بها المفسر في نقل الآراء ونقدها .
- الدّراسة النَّقدية تقوم على النّّظر في المباني والأصول والقواعد التي اعتمدها المفسّر –أو المفسّرة- في الكشف عن معاني القرآن , وإبراز فاعلية المقارنة بين الفهم السّابق للنّص قياسًا بالآراء الجديدة وبذلك تتضح حيوية النّص القرآني, كما تسهم في تطور عملية التَّفسير وتكشف عن أساليب ولغة جديدة تحاكي الواقع.
- تهدف إِلى بيان دور المرأة في هذا المجال وكان حاضرًا وتطلعنا على الأسباب التي حدَّت من الكتابة في ميدان التَّفسير . كما تكشف عن اسباب عزوف النّساء من ممارسة مجال التَّفسير, كما تسهم إلى ابراز النّتاج التَّفسيري النّسوي في العصر الحاضر ومكانته في المكتبة الإسلامية.
- إنّ هذه المحاولة ليست بالضّرورة تبرز مواطن الضّعف فحسب فالنَّقد هو بيان الصّحيح من السّقيم وإبرازهما معًا- ولم يكن هذا معناه فحسب بل أصبح مفهومًا واسعًا- وفق السّياقات التَّفسيرية المشهورة والغالبة .كما تسعى هذه الدّراسة إِلى بيان وتحليل مدى تأثر الدراسات التَّفسيرية النّسويَّة بالآراء والافكار, بقراءة النّص _مثلًا _قراءة بمعزل عن الآراء السابقة وقطع الصلة بها .
- طبيعة النّقد, تعتمد على مَفصلَينِ هما: الأوَّل النَّقد المباشر للموضوع. والثَّاني: نقد النَّقد التَّفسيري إن وُجد, وذلك يتجلى فيما يظهر من بيان لأصول التَّفسير وقواعده ومجال علوم القران وتأريخه وقصصه بطريق اختيار النّماذج ثم تحليلها واستخلاص الآراء وصالحيتها. وكل ذلك يأتي على وفق بيان الجانب التَّنظيري والتّطبيقي حسبما تقتضيه الحاجة اللازمة .أمّا الخطوات التي تقوم عليها هذه الدّراسة فهي تتعلق حتمًا بخطوات النَّقد: (القراءة والفهم والوصف والتّحليل والحكم ).
ثالثًا : منهج الدّراسة :
والمنهج المتّبع في هذه الأطروحة هو المنهج الاستقرائي التّحليليّ النقديّ, ويأتي ذلك بعد تصنيفها على وفق ما تقدّم فهو جارٍ بالآتي:
1- عرض النّص القرآنيّ . واختياره قائم عل اساس الانتقاء لما فيه من خلاف بين الآراء التّفسيريّة وما هو محلّ اتفاق, وتنوّعت النّصوص إن كانت من آيات الأحكام أو العقيدة أو الأخلاق .
2- ذكر آراء المفسّرات حول ذلك النّص.
3- نقد تلكم الآراء على وفق معطياته الموضوعيّة (تحليلًا ومناقشةً) على أساس بيان الجانب التّنظيري والجانب التطبيقيّ .
4- أدوات النّقد في هذه الدّراسة هي نفسها أصول التّفسير من قرآن وسنةٍ وعقلٍ, وبعض قواعده أحيانًا, وآراء العلماء والمفسّرين .