ما انفك القران الكريم موضع عناية الدراسين والمنشغلين في استنطاق آياته المباركة, والوصول لكنوزه العظيمة لينتفع بها الإنسان في رحلة رقّيّه وكماله, والاستزادة من المنهل الثر والمكنز المعرفيّ, بما يتناسب مع العطاءات العلمية المتجددة والمستوى المعرفي الذي وصل إليه الإنسان, وذلك الاستنطاق يتحمله المفسر بما وسع وضاق بمدركاته التفسيرية ورتبته المعرفية, ونرصدُها في تعدد التفاسير وتنوعها, فمن البديهيّ أن نلمح هذا التعدد والتنوع ّفي القراءات التفسيرية, بلحاظ قابلية هذا النصّ الخالد على التفاعل والانطباق على مصاديق عدّةٍ.
وتلك العلاقة بين القران الكريم والمفسر, قائمةٌ على ضوابط وشروط ووفق محددات أصولية مُحكمة, إلا إن مع تقدم الأزمان, ظهرت رؤى جديدة وتحديات كبيرة أخذت بطبيعة الحال موقع المواجهة والتحديات مع الآراء والنظريات التي تبناها منظومة الفكر الإسلامي لاسيما في موقع الموروث التفسيري الإسلامي, تلك التحديات أظهرت عنوان الشك والاستفهام والشبهات واتخذت نمطًا نقديًا وجهدًا في اشتغال مساحة واسعة من الفكر الإسلامي وأولت الاهتمام بما دوّنه علماء التفسير عبر التاريخ في ضوء اجتهاداتهم وفهومهم والاهتمام الآخر تجلى في موضوعات علوم القران ومفاهيمه.
ومن ذلك ظهرت خيوط لاتجاه فكري معيّن ، ينظر إلى كلّ أمرٍ مذكور في الموروث لا يتلائم مع ذوق الباحث ممّن يحملون نمطًا ثقافيًا أو أيديولوجيًا معينًا، ينظر إليه على أنه من وحي الخيال، وركز هذا الاتجاه على أن ينظر إلى الموروث الإسلامي بأنه مسكون بالخيال، وأنّ المقولات التي تراكمت عبر الأجيال ما هي إلا نتاج خيال خصب استطاع توسيع ما هو واقعي وضيق في إطار حدود معينة، والخروج به إلى فضاءاتٍ رحبةٍ غير منظورة من قبل المصدر، وإما أن يكون ما جاء في التراث عبارةً عن اختلاق لا علاقة له أصلا بالواقعة, ومن هنا تطلب الَكشِف عن تلك المقولة, ومعرفة مدار اثرها في دائرة اهتمام الدراسات المعاصرة وضبطِ تطبيقات هذا الاتجاه على وفق نتاجاتهم الفكرية.
موضوع البحث وأسباب اختياره:
يهدف البحث إلى فتح مسارات أثر علاقة النص وشراح النص المتمثل بالمفسرين مع مفهوم المتخيل مع رصد لأهم الاتجاهات والآراء التي تعاملت مع تلك العلاقة, وبيان المرجعيات الناظرة إلى تلك العلاقة, فتتناول البحثُ إشكالية المفهوم ومرجعايته مع اهم التطبيقات التي رصُدت في مجال التفسير وموضوعات علوم القران.
أما الداعي للاختيار ,فلابدّ من القول: إن الموضوع محطَّ البحث والدرس المستمر, ولزوم تسليط الضوء على مسارات الحركة الفكرية النقدية التي اهتمت بالقرآن الكريم وعلومه, بعد أن شهد ميدانُ الدراساتِ القرآنيّةِ في العُقود الأخيرة تنوعاً ملحوظ, ومَرَدُّ ذلك اعتماد مناهجَ حديثةٍ في الوصفِ والتحليلِ والنقدِ والتفسيرِ, إذ تركت لنا, وما زالت بصماتٍ ومواقفَ متعددةً ومتنوعةً في ترسُّم فهم النصّ القرآنيّ, وإن الموضوع المُنتخب أُوقد فتيل الجدال بين الخطاب الإسلامي التقليديّ والخطاب الحداثيّ, الأمر الذي يدعو إلى ضرورة معرفة قضاياه الجوهرية, والخروج بتصور صحيح يُساهم في دعم الاتجاه السديد.
فرضية البحث:
إن فرضية البحث وجوهرها تحاول الإجابة على مجموعة من الأسئلة والإشكاليات من أهمها:
1) هل لعلوم القرآن والتفسير أثر في المتخيل الديني وما هي مساحة هذا الأثر ؟
2) هل الفكر الإسلامي يستوعب الإشكاليات والشبهات المُثارة على منظومته؟ وهل له القابلية في دفعها لما تحتوي خزانته المعرفية من أدوات وأصول الفكرية.
3) ما هو أثر المسار الخاطئ لتوظيف المتخيل الديني في موضوعات علوم القرآن والتفسير في الفكر الحداثي والأستشراقي؟
4) وهل يمكن أسلمة المصطلح بنحو المقاربة أو التبيئة وجعله خاضعاً المنظومة الفكرية الإسلامية ؟
5) ما هي المعيار والضوابط لإحكام الدراسات القرآنية المعاصرة ذات المنهج الحداثي وجعلها متوافقة مع المنظومة الفكرية الإسلامية