أحْمُدُ العليَّ القدير أنْ وصلتُ إلى هذهِ المرحلة النهائيّة في كتابةِ رسالتي الموسومة بـ (التَّفسير الموضُوعيّ بين الثَّابت والمُتغير), وقد تحصلت لي مجموعة من النتائج المهمة, ومنها :
الأولى: إنَّ التفسير الموضُوعيّ بوصفهِ مركبًا وصفيًّا لابدّ أن يشتمل على مفاهيم محورية في التعريف وهي (الكشف, وتبيان القضايا المهمة, وتوظيف المعاني الجليلة والقيم في المجتمع خاصّة والعالم عامَة) فنرى أنهُ علمٌ يختصُ بالكشف عن القضايّا التي تضمنتها آيات القرآن الكريم من خلال سورة أو أكثر ، أو مجموعة من الآيات في قضيّة معينة لبيان الأحكام والحقائق القرآنيّة في جوانب الحياة المختلفة بقدر الطاقة البشريّة, وتوظيفها في الواقع المعيش .
الثانية: تبيَّن لي أنَّ التفسير الموضوعيّ بمراحلهِ الأولى ولا سيّما في مرحلة المنطلقات والأسس ثمّة مؤشرات يمكن الركون إليها, تكاد تكونُ العنوان الكبير والشعار الظاهر في هذهِ المرحلة ولا سيما فيما يتعلق بـ ( تفسير القرآن بالقرآن ونظريَّة الجريّ والتطبيق والتدبّر في القرآن و عقليَّة المُفسر ) فهذهِ تُعَدُّ من أمارات وعلامات الجذور والأسس والمنطلقات الأولى للتفسير الموضوعيّ , فمنهج تفسير القرآن بالقرآن يعدُّ المنطلق الأول والأهم لهذا التفسير, وهو المنهج الأساس لتفسير القرآن الكريم, وبيان مرتبة المناهج التفسيريّة الأخرى إذا ما قورنت بهِ وأنَّ البحث في التفاسير المأثورة عن النبيّ الأكرم والأئمّة الأطهار(صلوات الله عليهم أجمعين) يثبت أن تفسير القرآن بالقرآن، وكذلك البحث الموضوعيّ في القرآن كان هو الشائع والغالب عندهم.
الثالثة: إنَّ الآياتِ القرآنيَّة المباركة لا ينبغيّ أن تكون مجرد إخباريات تاريخيّة وتقارير عمّا جرى فـي الماضي لا غير، بل هي آيات إلهية قابلة للتَّكرار ولها مصاديق متجددة على مر العصور يمكن أن تنطبق على الحاضر. و إنَّ العقليّة التي يتمتع بها المُفسّر والمرجعيّة الفكريّة العامَّة والخاصّة, كان لها الأثر الواضح في ظهور المناهج التفسيريّة المتعددة , ومنها منهج التفسير الموضوعيّ.
الرابعة: بدا لي أنَّ ثمة إشاراتٍ استباقيّةً ولمحاتٍ فنيّة للتفسير الموضوعيّ عند العلماء, وإن كانت مبثوثة هنا وهناك , إلا أنها بمجموعها تمثّل كمًا و حيّزًا كبيرًا ضمن المنهج الموضوعيّ, وهذا ما نجده في المؤلفات التفسيريّة واللغويَّة والبلاغيَّة وكتب علوم القرآن وغيرها.
الخامسة: إنَّ أكثر الاشارات الاستباقية وجدناها عند علماء التفسير, ولا سيما مِمّن عُنُوا بمنهجيّة (تفسير القرآن بالقرآن) وهذا ما نلمحه في تفسير جامع البيان للطبريّ, وتفسير التبيان للطوسيّ , وكذا تفسير الكشّاف للزمخشريّ ومفاتيح الغيب للرَّازيّ وغيرهم , وهذهِ الاشارات تمثل جذورًا وممهدات مهمّة للتفسير الموضوعيّ.
السادسة: بدا لي أنَّ مرحلة الثابت في التفسير الموضوعيّ عند المستشرقين كانت حاضرة, وهذا ما رأيناه في كتاباتهم لمواضيع اتجهت نحو التخصص في موضوع مستقل, فقد تميّز طابع بعض الدراسات القرآنية عند المستشرقيــن بصيغة البحث الموضوعـيّ لبعض الجزئيات في القرآن الكريم ، وهذا المنهج سليم للغاية ، ففي القرآن مئات الموضوعات المهمّة والبحث فيها جملة قد لا يُعطِي ثماره ، ولا يفي حقّ كل موضوع.
السابعة: يتجلّى لي في ضوء بيانات أمين الخولي التي استعرضناها من قبل أنهُ لم يقل (بمنهج التفسير الموضوعيّ) بل دعا إلى تفسير القرآن تفسيرًا موضوعيًّا في ظلِّ جمع المفاهيم والحقائق ذات الصلة سواء أكان في السورة نفسها أم في القرآن كله مع معاينة ترتيب الموضوع ترتيبًا زمنيًا والدراسّة الخاصّة بما يُحيطُ بالنصِّ, والدراسّة الداخليّة (بُنيَّة النصّ) . لذا تبيّن لنا أنَّ وصف المتغيّر في التفسير الموضوعيّ بـ (مرحلة قبل النضوج) بلحاظِ أنَّ الوصفَ الدقيق للتفسير الموضوعيّ بوصفهِ منهجًا لم نجد له مصطلحًا قارًا, وهذا ما وجدناه في بيانات أمين الخولي التي دعا إلى دراسّة القرآن الكريم موضوعيًّا, أي: جمع الموضوعات ذات الرابط الواحد.
الثامنة: أطلقنا على مرحلة المتغيّر من التفسير الموضوعيّ (وصف مرحلة قبل النضوج)؛ لأنَّ هذا المنهج لم يكن قارًّا بشكلِّ دقيق عند الدكتورة عائشة عبد الرحـــمن, على الرغم من وجود إشارات إلى هذا المنهج إلا أنها لم تصّرح تصريحًا قاطعًا بـ (منهج التفسير الموضوعيّ), نعم الخطوات كانت حاضرة في التنظير والتطبيق عندها ولا سيما في كتابها التفسير البياني للقرآن الكريم .
التاسعة: إنَّ المتغيّر في التفسير الموضوعيّ (مرحلة قبل النضوج) كانت قائمة على أركان ثلاثة , هي :
الأول: مستوى استقرار المصطلح (منهج التفسير الموضوعيّ) .
الثاني: الخطوات العامَّة والخاصَّة .
الثالث: على مستوى الإجراء والتطبيق .
ففي المستوى الأول لم نجد تصريحًا واضح المعالم باستقرار هذا المصطلح وثبوتهِ, أما على المستوى الثاني فثمة حلقاتٌ فارغاتٌ ومناطقُ لم تُمسَّ في خُطُوات هذا المنهج, أما على المستوى الثالث فنلمح غياب معاينة الواقع عند دراسة الموضوعات القرآنية ذات الصلة وتطبيقها على الواقع المعاصر.