يُعد البحث الحالي محاولة جادة لربط الفن وتوجهاته وأساليبه بأبعاد ومجالات الشخصية الإنسانية ، وخاصة جانب البعد النفسي ، وتزايد أهمية الرسم التعبيري الحديث ، الذي يؤدي دوراً أساسياً وفعالية حيوية في حياة الإنسان الذي بات يعبر من خلاله عن ذاته وأفكاره وحاجاته، ولعدم قيام أي من الباحثين بدراسة موضوع الأبعاد النفسية بصيغة تستظهر تأثيراتها وتوظف دلالاتها ومفاهيمها استجاب الباحث لدراستها من خلال دراسته الموسومة (الأبعاد النفسية في الرسم التعبيري الحديث) عبر أربعة فصول اهتم الفصل الأول بتوضيح مشكلة البحث والتي تتحدد بالأسئلة الاتية:-
- هل للرسم التعبيري أبعاد نفسية تحدد ملامحه.
- هل للأبعاد النفسية تأثير على الرسم التعبيري الحديث.
- ما حجم الأبعاد النفسية في نتاجات الرسم التعبيري الحديث.
- ما الدلالات التعبيرية والمضامين النفسية في الرسم التعبيري الحديث.
وتتجلى أهمية البحث الحالي في كونه يوفر اساساً نظريا لطلاب الفن وعلم نفس الفن كما يعد دراسة أكاديمية تسهم في ألقاء الضوء على الدراسات النفسية وتأثيراتها في فكر وسلوك الإنسان والفنان.
ويهدف البحث إلى تعرف الأبعاد النفسية في الرسم التعبيري الحديث، واقتصرت حدوده بتحليل نماذج للوحات فنية مرسومة بالزيت والألوان المائية والمنفذة في ألمانيا وللمدة (1905-1933) باعتماد المنهج التحليلي ضمن محاولة لاستخراج الطروحات الخاصة بالبعد النفسي ودلالاته المتنوعة عبر الأعمال الفنية للرسم التعبيري الحديث.
أما الفصل الثاني فقد احتوى على ثلاثة مباحث ، تناول المبحث الأول النظريات النفسية في الرسم من خلال استعراض وجهات نظر نفسية لكل من (فرويد وآدلر ويونج وهورني وفروم وسوليفان والبورت وماسلو وروجرز وآيزنك وكاتل ونظرية الكشتالت ونظرية ليفين والنظرية الانفعالية ).
فيما تناول المبحث الثاني نشأة الحركة التعبيرية ومفهومها وتطورها وملامح التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في ألمانيا وظهور جماعة الجسر (Bridge Group) ، وجماعة الفارس الأزرق (Blaue Knight Group) .
أما المبحث الثالث فقد احتوى على آليات اشتغال التعبير في الرسم من خلال استعراض الدلالات النفسية للخط واللون والشكل والملمس والفضاء والأفق وعناصر التنظيم الجمالي ودراسة الشخصية عن طريق الرسم والتلقي والتعبير والتحليل والتأويل في الرسم واستعراض الآراء الفلسفية في النفس الإنسانية.
أما الفصل الثالث فقد انطوى على تطبيقات الأبعاد النفسية في الرسم التعبيري الحديث عبر اجراءات البحث التي تضمنت مجتمع البحث ، عينة البحث ، أداة البحث ، تحليل عينات البحث والبالغة (20) عينة.
فيما تضمن الفصل الرابع النتائج والاستنتاجات ، إضافة إلى التوصيات والمقترحات ، وقد توصل الباحث إلى نتائج أساسية نذكر منها :-
1. على مستوى التعبير بالخط :-
تظهر الابعاد النفسية من خلال التعبير بالخط بواسطة آليات الحركة والاتجاه والنوع والقياس والعلاقات والتي تكشف بمجملها عن جملة من الدلالات النفسية , فيظهر الاغتراب بنسبة ( 90 % ) من حجم عينة البحث .
ويظهر الكبت بنسبة ( 80 % ) , ويظهر القلق بنسبة ( 65 % ) , وتظهر العدوانية بنسبة ( 50 % ) , ويظهر الحزن بنسبة ( 65 % ) , ويظهر الحب بنسبة ( 40 % ) من حجم عينة البحث .
2. على مستوى التعبير باللون :
تظهر الابعاد النفسية من خلال التعبير باللون وما يحمله من دلالات نفسية ورمزية وأصطلاحية وبآليات الاشباع والافقار والشفافية والعلاقات اللونية الجمالية والتي تكشف عن جملة من الابعاد النفسية , فيظهر الاغتراب بنسبة ( 90 % ) من حجم عينة البحث , ويظهر الكبت بنسبة ( 80 % ) , ويظهر القلق ( 75 % ) , تظهر العدوانية بنسبة ( 60 % ) و يظهر الحزن بنسبة ( 80 % ) , يظهر الحب بنسبة ( 60 % ) من عينة البحث .
3. على مستوى التعبير بالشكل .
تظهر الابعاد النفسية من خلال التعبير بالشكل الواقعي أو المحرف و المشوه والمختزل والهندسي و بأستخدام آليات التكبير والتصغير والاكثار والاقلال والاستطالة والتقصير والحذف والاضافة والتسطيح والعلاقات فيظهر الاغتراب بنسبة ( 80 % ) , يظهر الكبت في العينات بنسبة ( 95 % ) , فيظهر القلق بنسبة ( 60 % ) , تظهر العدوانية بنسبة ( 45%) , يظهر الحزن بنسبة ( 75 % ) , يظهر الحب بنسبة ( 45%) من حجم عينة البحث .
كما يظهر التعبير من خلال التحريف في الزمان غير المتعين بنسبة ( 80 % ) ومن خلال الزمان المتعين الظاهر بنسبة ( 20 % ) من حجم عينة البحث .
ويظهر التعبير من خلال التحريف في المكان بأستخدام آلية التغريب بنسبة ( 60 % ) وفي أكثر من مكان في زمان واحد تظهر بنسبة ( 15 % ) من حجم عينة البحث .
كما أستنتج الباحث جملة من الاستنتاجات وكألاتي :-
1. إن الرسام ليس مطبقاً للنظريات النفسية والفلسفية , وإن هي أثرت عليه بشكل غير مباشر , مع عدم أغفال أثر الحركات الفنية بمفاهيمها الوجدانية والفكرية المختلفة على بعضها , وما أحتلته كل واحدة على الاخرى من مشكلات وجدت لها حلولاً عبر الشكل الفني في الرسم التعبيري الحديث وبشكل متغاير عن بعضها البعض .
2. أرتبط البعد النفسي بالعمل الفني أرتباطاً وثيقاً عبر تاريخ الفن الطويل بوصفه قيمة تحقق ضرباً من التواصل الروحي بين الانسان وذاته وبينه وبين غيره , كما يعد البعد النفسي مرتكزاً للذات الانسانية لوضع مقترحاتها حول العمل الفني . ولم تبدأ فكرة البعد النفسي بالتخفيف من وطأتها في ذهن الفنان إلا في الرسم التعبيري الحديث , الذي فهم البعد النفسي فهما ذاتيا احاط بكل الطروحات النفسية السابقة وتجاوز التوقعات .
3. ظهر اللون بوصفه دلال معنى بشكل واضح في الرسم التعبيري من خلال التنويعات اللونية وتوازنها وأنسجامها وتناغمها وتضادها ومركز سيادتها وفق علاقات كونت منها وحدة متماسكة خدمة للتكوين العام , وأرتبط اللون بدلالات ورموز ومعاني عند الفرد الجرماني مستخدماً في القيم الروحية والعادات والتقاليد والدين .