إنّ من المسائل التي وقع الخلاف فيها هي حول طبيعة العلاقة بين القرآن الكريم والسنة، فإذا كان كلاهما حجة, فهل المحورية للقرآن الكريم أم للسنة؟ فهذه من الأسئلة المهمة والملحة للغاية، وذلك لما لها من نتائج وآثار تلقي بظلالها على أكثر من ميدان من ميادين المعارف الدينية, كالتفسير والفقه والأخلاق. ولأهمية التفاسير المعاصرة في تقريب علم التفسير من طائفة من الناس الذين لا يستطيعون بحكم مؤهلاتهم التعامل مع مصنفات القدامى, وما تعالجه هذه التفاسير من مشكلات العصر المتجددة, ثم برغبةٍ يشوبها ميل ممدوح, ترسم الباحث دراسة موضوع ( محورية القرآن ومدارية السنة في التفاسير المعاصرة), فإن دراسة هذا الموضوع يبرز مدى العلاقة القوية بين القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة, حتى أن السنة النبوية وقفت من القرآن الكريم موقف المفسِّر من المفسَّر, والمبيِّن من المبيَّن, فهما متلازمان لا يفترق أحدهما عن الآخر. ومن ثم فهي أصلٌ أصيل من أصول التفسير لا يمكن تجاوزه, وإلاّ وقع الخلل في التفسير. كما أن هذه الدراسة تعرفنا على شكل العلاقة بين منظومة المعارف الموجودة في القرآن الكريم, ونظيرتها الموجودة في السنة, وهل كل منظومة مستقلة عن الأخرى أم هنالك ترابط بينهما؟
كما أنّ للدراسات المعاصرة أهمية كبيرة؛ لأن الأيام مليئة بالأحداث تأتي كل يوم بما هو جديد؛ ولأن علاقة الإنسان بالإنسان والكون وبالحياة، تتطور تبعًا لتطور التفكير الإنساني. وتكمن أهمية هذه الدراسات في أنّ البحث فيها يبرهن على صدق الإسلام وخلوده وصلاحيته للقيادة والريادة في هذه الحياة.
وقد اقتضى المنهج العلمي الأكاديمي للدراسة أن ينتظم على تمهيد وخمسة فصول وخاتمة ثم ثبت المصادر والمراجع, فكان التمهيد حاملاً في طياته مقاربات اصطلاحية وكليات عامة في عنوان الأطروحة, فبيّن مفاهيم العنوان في اللغة والاصطلاح, ثم بيّن الجذور التأريخية لمصطلحي المحورية والمدارية.
وجاء الفصل الأول بعنوان ( اتجاهات المفسرين المعاصرين في محورية القرآن ومدارية السنة), وقد أورد الحديث عن المفسرين القائلين بمحورية القرآن, ثم عرض التفاسير التي تبنّت محورية القرآن. ثم عرض التفاسير القائلة بمحورية السنة الشريفة. ثم الحديث عن التفاسير القائلة بمحورية القرآن والسنة معًا,. وأخيرًا كان الحديث عن التفاسير المعاصرة التي اعتمدت محورية القرآن ومدارية السنة.
وتضمن الفصل الثاني ( ضوابط محورية القرآن ومدارية السنة وتطبيقاتها), حيث بيّن الضوابط المنهجية في محورية القرآن ومدارية السنة, ثم الضوابط المعرفية ( الفكرية) في محورية القرآن ومدارية السنة.
وجاء الفصل الثالث مختصًا بدراسة ( أبعاد محورية القرآن ومدارية السنة التفاسير المعاصرة), وانتظم الفصل في أربعة مباحث, الأول للبعد العقدي, والثاني للبعد التشريعي, والثالث للبعد الأخلاقي, فيما كان الرابع للأبعاد الأخرى, الاجتماعي والعلمي والسياسي.
أما الفصل الرابع فكان بعنوان ( رؤية المفكرين المعاصرين لطبيعة العلاقة بين خطاب الوحي ومدارية التراث التفسيري), وقد انتظم الفصل في ثلاثة مباحث, درس الأول مفهوم التراث, وبيّن الثاني رأي المفكرين المعاصرين الذين يرون أنّ خطاب الوحي جزء من التراث, أما الثالث فذكرنا فيه رأي المفكرين المعاصرين في عدم ادخال خطاب الوحي في مسمى التراث.
والفصل الخامس والأخير كان الحديث فيه عن (السمات المميزة لمحورية القرآن ومدارية السنة في التفاسير المعاصرة), وانتظم الفصل في خمسة مباحث, كل مبحث لسمة من السمات التي تميز محورية القرآن ومدارية السنة, فالأول عن عالمية هذا الخطاب, والثاني عن حاكميته, والثالث كان عن هدايته, والرابع عن رسالة القرآن, والخامس عن تكامليته وشموليته.
وذكرت في الخاتمة النتائج التي توصل إليها الباحث خلال رحلته البحثية, والتي منها:
1ـــــ من خلال الاطلاع على المعاني اللغوية للمحورية والمدارية يتبيّن أنّ القرآن الكريم هو المحور الذي ترجع إليه كل المصادر في عملية التفسير.
2ــــ تبيّن أن القائلين بمحورية القرآن لا ينكرون السنة, بل يتخذونها مصدرًا في التفسير, على العكس تمامًا من القرآنيين الذين ينكرون السنة تمامًا.
3 ــــ إن محورية القرآن ومدارية السنة تكشف الذين يريدون الابتعاد عن سنة المعصومين (عليهم السلام) بذريعة المصحف, وهم لايعملون بالمصحف الآمر بالتمسك بالعترة الطاهرة.
4ـــــ محورية القرآن ومدارية السنة تُظهِر مدى الترابط الوثيق بين القرآن الكريم والسنة النبوية, وإنهما متلازمان لا يفترق أحدهما عن الآخر.
5ـــــ إن من أهم الأمور التي تُثبت حجية السنة هي العبادات, فكيف يُمكن استنباط أحكام العبادات وأركانها من النصوص القرآنية.