للشاهدِ الشعريّ أهميةً كبيرةً في علمِ اللغةِ العربية, فهو يمثلُ رافدًا مهمًا من روافدِ النحويين في بناءِ القاعدةِ النحوية؛ لاسيّما إذا كانت هذه الشواهد صادرةً عن أفواه الشعراء الذين يُحتجُّ بشعرهم؛ لأنَّ الشعر ديوان العرب, وبه يستعانُ في تفسيرِ المسائل النحوية وفهمِ مفرداتِها, ولذلك اتّخذهُ النحويون على اختلافِ مذاهبهم مصدرًا رئيسًا من مصادر الاحتجاج التي بنوا عليها قواعدَهم واستخلصوا منها أصولَهم، فلم يتركوا حكمًا أو رأيًا أو قاعدةً أو مسألةً إلَّا وانتقوا لها أفصحَ الشواهد المروية عن العرب الخُلَّص؛ للاستدلالِ على صحَّة تلك القاعدة أو المسألة, فجاءت مصنفاتهم زاخرةً بأنواع الشواهد الشعرية, ومن هذه الشواهد ما كانت القاعدة النحوية مساوقةً له, ومنها ما خرجَت عنه القاعدة النحوية التي احتكمَ إليها النُّحويون، ولكنَّه يمثَّلُ جانبًا واسعًا من الأداء اللّغويّ، ما جعلَ النحوي يلجأ إلى ليّ عنقِ الشاهدِ الشعري ليتوافق مع القواعد النحوية الموضوعة؛ لأنَّ النحوي لا يتحرج من تأويل الشاهد الشعري واخضاعِه للقاعدة, ولذلك تكمن مشكلة الدراسة في توّلدِ وجوهٍ نحويةٍ غايةٍ في البعد, يجعلها في كفَّة المشكل الذي يصعب قبوله والاقتناع به, فيُحكَم على هذه التأويلات والوجوه بالتَّكَلُّف, وهذا ما دعاني إلى اختيار هذه الدراسة الموسومة بـ(الوجه النحويُّ المُتَكَلَّف في الشاهد الشعريّ), وتهدف الدراسة في بيانِ التَّكَلُّف الحاصل في بعض الوجوه النحويَّة التي تتطلبُ كدَّا ذهنيًا لتفسيرها؛ بسبب الحذوفات والتقديرات الزائدة التي أوجدتْها الصناعة النحوية, وإبرازِ الدافعِ من وصف الوجه النحويّ المُتَكَلَّف, وبيانِ مظاهرهِ وأسبابهِ وسماته, وأثرِ إقصاء المعنى في بروزِ الوجه النحوي المتَكَلَّف, وأثرِ الاختلافِ المذهبي في وصف الوجه النحوي بالتَكَلُّف, وغير ذلك من الأهداف المعرفية التي سنجيبُ عليها في أثناء الدراسة.
ويرد التَّكّلُّفُ في ميدان الدراسات النحوية, عندما ينتقدُ أحدُ النحويين وجهًا نحويًا لنحويٍّ آخر يعاصره في الزمن أو ينتمي لعصر سبقَ عصرَه, فيجدُ في ذلك الوجه حذفًا لا حاجةَ له, أو تقديمًا وتأخيرًا أو تقديرًا, أو مخالفةً في اللفظ أو المعنى, ونحو ذلك, فيصدرُ عن ذلك النحويِّ حكمٌ ويصفه بـالتَّكَلُّف.
قامت الدراسةُ على تمهيدٍ وثلاثةِ فصولٍ وخاتمةٍ, ذكرتُ في التمهيدِ (الوجه النحويّ المُتَكَلَّف: مفهومه ودواعيه ومظاهره وسماته), وخصَصْتُ الفصل الأول بدراسة (الوجه النحوي المُتَكَلَّف في المرفوعات), ومنها: الوجه النحويُّ المُتَكَلَّف في المبتدأ والخبر, وفي مرفوعات نواسخِ الابتداء, وفي الفاعل, ودرستُ في الفصل الثاني (الوجه النحويّ المُتَكَلَّف في المنصوبات), ومنها: الوجه النحويّ المُتَكَلَّف في المفعولات, وفي منصوبات النواسخ, وفي الحال والتمييز, وفي النداء, وفي المنصوبات من المصادر, وتناولتُ في الفصل الثالث (الوجه النحويّ المُتَكَلَّف في المجرورات وفي والتوابعِ ومسائلَ أُخر), ومنها: الوجه النحويّ المُتَكَلَّف في حروف الجر, وفي الإضافة, وفي المجاورة, و الوجه النحويّ المُتَكَلَّف في النعت, وفي العطف, وفي البدل, وفي التوكيد, والوجه النحوي المُتَكَلَّف في استعارة الضمير, وغير ذلك, وأوردتُ في الخاتمة أبرز النتائج التي توصَّلتُ إليها, وسردتُ بعدها قائمة بأسماء المصادر التي اعتمدتُ عليها في الدراسة.
إنَّ قيامَ النحويين بوضعِ القواعدِ النحوية للغة العربية, يعدُّ عملًا فذَّاً, ولا يمكنُ تغاضيه أو تجاهله, وما أقومُ به لا يقللُ من عملِ أولئك الأعلام إنَّما هو جمعٌ وتحليلٌ لانتقاداتِ النحويين لبعض التقديرات والتوجيهات المُتَكَلَّفة التي لا تمت لواقع اللغة بصلة, ولذلك كان منهجي في مفاصل الدراسة وموضوعاتها أنْ أعرِض المسألة النحوية المراد دراستها, وأبينُ آراءِ النحويين فيها, ثمَّ أذكرَ الشاهد الشعري الذي استدلَّ به النحويون على تلك المسألة, وبيان موطن الشاهد فيها, وبعد ذلك أسردُ الأوجه النحوية المحتملة لموطن الشاهد التي ذكرها النحويون على اختلافِ مذاهبهم, والوجه المُتَكَلَّف من بين تلك الوجوه النحوية, وأناقشُ المسألةَ نقاشًا وافيًا, أوضحُ فيه الدافعَ لإيراد الوجه المُتَكَلَّف, وسبب التَّكَلُّف فيه؛ لأخرجَ بخلاصة تبين موقفي من الوجهِ النحويِّ المُتَكَلَّف, التي قد تكون موافقةَ لوجه التَكَلُّف, أو مخالفة له.
والجديرُ بالذكر أنَّ هناك دراسات عُنيت بالشواهد الشعرية, وبالأوجه النحوية, اطلعتُ عليها وأفدت منها في رسم الخطوط الأولى للدراسة, ومنها: الشواهد الشعرية عند سيبويه والفراء دراسة نحوية صرفية مقارنة, للباحث ناظم عواد عبد, وتضعيف الوجه النحوي فـي إعراب القرآن الكريم: للباحث حسن عبيد المعموري, والشاهد الشعري المجهول القائل وأثره في الدرس النحوي, للباحث محمد مناضل عباس, ومصطلح التكلف في الدرس النحوي مفهومه وأهم أشكاله, للباحث عادل فتحي رياض, والانتهاك اللغوي دراسة في شواهد سيبويه الشعرية, للباحث صالح علي الشيخ, والتّـعـسّـف فـــي الـــرّأي النّـحــويّ عند علماء العربيّة, للباحث غانم هاني كزار الناصريّ.
ورافقت هذه الدراسة بعض الصعوبات والمعوِّقات التي تخطَّيتُها بفضل الله, وعونه, وبفضل أستاذي المشرف, الأستاذ الدكتور أمين عبيد جيجان الدليمي, الذي لم يدَّخر جهدًا في رعايةِ الباحث وتوجيهِه، فكان لسعةِ علمهِ واتساعِ صدرهِ الأثر الفاعل في إغناءِ الدراسة وتذليل المصاعب والعقبات، فأشكره الشكرَ الجزيل, وأحفظُ له الفضلَ الجميل, وأدعو له بالصحةِ والعافية.