الأسد هو من الحيوانات المفترسة التي تنتمي إلى السنوريات في المملكة الحيوانية, وقد عرفه الإنسان العراقي القديم منذ عصور مبكرة, فقد ظهر على المخلفات الفنية من عصر العبيد (4000 ق.م) وعصر الوركاء (3500 ق.م) وصولاً إلى آخر العصور التاريخية القديمة . وعلى الرغم من كونه حيواناً مفترساً إّلا أنّ العراقي القديم استطاع أنْ يستفيد منه قدر الإمكان وبما يتلاءم مع حاجاته، فمثلاً كان للأسد دور في الصناعات الجلدية وكمادة غذائية يتناولها العراقي القديم في بعض الحالات الاضطرارية عندما لا يجد ما يسد جوعه غير هذا الحيوان المفترس . كما استفاد من دمه وشعره في الوصفات الطبية، هذا فضلاً عن توظيفه في المعتقدات الدينية وكعنصر فني يمكن الاستفادة منه في المشاهد الفنية المنفذة على سطوح النتاجات الفنية المتنوعة . وبناءً على ما تقدم فإنّ اختيار هذا الموضوع جاء من أجل توضيح أثر الأسد وأهميته في حضارة العراق القديم من خلال جمع المعلومات التي تتعلق بالجوانب التي ذكرنها آنفاً بالاعتماد على ما ورد في النصوص المسمارية والمشاهد الفنية نظراً لقلة الدراسات الأكاديمية التي اختصت بدراسة هذا الموضوع فأصبح لزأمّا علينا تناول هذا الموضوع بالبحث والدراسة.
ومن أجل الإحاطة بالموضوع من جميع الجوانب فقد وضعنا فرضية للرسالة تستند على عدد من الأسئلة الاستفهامية منها: ما هو دور البيئة الطبيعية في العراق القديم في انتشار هذا الحيوان المفترس؟ وما هي صفاته؟ وما هو غذاؤه؟ وكيف استطاع الإنسان العراقي القديم التعأيش مع خطر هذا الحيوان المفترس؟ وما هو اثره في الطقوس والمعتقدات الدينية العراقية القديمة؟ وهل كان للحوليات الآشورية دور مهم في الكشف عن أهمية هذا الحيوان المفترس عند الآشوريين؟ وهل استفاد العراقي القديم من الأسد في الصناعة والطب وكمادة غذائية؟، وكيف وظف العراقي القديم الأسد في كتاباته الدينية والأدبية؟، وما هي أهم النتاجات الفنية التي صور الأسد فيها؟ ولا شك أنّ هذه التساؤلات تحتاج إلى جهد كبير لاستنطاق النصوص المسمارية وقراءة المشاهد الفنية للوصول إلى إجابات شافية تتحقق بمقتضاها غاية الدراسة وأهدافها .
لقد تم تقسيم الدراسة إلى أربعة فصول، وخاتمة، وملحق, تضمن الفصل الأول المعنون بـ(الأسد وأثره في حياة العراقيين القدامى) أربعة مباحث, تناولنا في المبحث الأول (الأسد التسمية والبيئة الطبيعية) وفيه استعرضنا أسم الأسد في اللغة السومرية والأكدية وأسماء الاجزاء التي يتألف منها جسم الأسد في اللغة السومرية والأكدية والبيئة الطبيعية التي يعيش فيها الأسد فضلاً عن ذكر صفاته وحياته الاجتماعية مع اللبوة والأشبال, أمّا في المبحث الثاني (الأسد في الأسماء والألقاب وعلاقته بالآلهة والطقوس الدينية) فقد تضمن ورود اسم الأسد في تركيب أسماء الآلهة والمعابد والأشخاص وورد اسمه أيضا في ألقاب الآلهة كذلك استعرضنا في المبحث علاقة الأسد بالآلهة ودوره في الطقوس والاحتفالات الدينية, فيما تناولنا في المبحث الثالث (الأسد في الحوليات والنصوص القانونية) وفيه استعرضنا ذكر الأسد في الكتابات الملكية الآشورية إذ كان يمثل هذا الحيوان المفترس جزءا مهماً في تلك الكتابات نظرا لما تضمنته من اشارات كثيرة لرحلات الصيد الملكية في أوقات السلم والحرب وعمليات تربيته في حدائق القصور الملكية . أمّا بخصوص النصوص القانونية فقد شرعت مواد قانونية تتعلق بهذا الحيوان المفترس بما يخدم الطرف المتضرر منه وهو البشر. وفي المبحث الرابع تناولنا (استخدامات الأسد) منها في الصناعات الجلدية وفي مجال الطب وغيرها.
أمّا الفصل الثاني المعنون بـ (الأسد في الكتابات الدينية) فقد ضم أربعة مباحث, تناولنا في المبحث الأول (ذكر الأسد في الأساطير) وفيه تطرقنا لعدد من الأساطير العراقية القديمة التي ورد ذكر الأسد فيها والغاية من ذكره , وفي المبحث الثاني تناولنا (ذكر الأسد في التراتيل) وفيه استعرضنا ورد ذكر الأسد في كل من تراتيل الآلهة والمعابد والملوك, والمبحث الثالث تناولنا (ذكر الأسد في الصلوات والتعاويذ) وبيان أهمية ذكره في الصلوات والتعاويذ, وفي المبحث الرابع تناولنا (ذكر الأسد في الأناشيد والعرافة).
في حين تناولنا في الفصل الثالث المعنون بـ (الأسد في الكتابات الأدبية) أربعة مباحث, تناولنا في المبحث الأول (ذكر الأسد في الملاحم الأدبية والتاريخية) وفيه بينت الفرق بين الملاحم الأدبية والتاريخية مع بيان دور الأسد في تلك الملاحم . وفي المبحث الثاني المعنون بـ (ذكر الأسد في المراثي) استعرضنا دور الأسد في مراثي الآلهة والمدن والملوك والأشخاص. أمّا في المبحث الثالث المعنون بـ (ذكر الأسد في المناظرات والأمثال والحكم) فقد بينا فيه دور الأسد في المناظرات والأمثال العراقية القديمة وذكر الأسد في الحكم المتمثلة بوصايا شروباك وحكم أحيقار, وفي المبحث الرابع تناولنا (ذكر الأسد في المحاورات والأدب الهزلي والقصص والتشبيهات) .
فيما تناولنا في الفصل الرابع المعنون بـ(الأسد في المشاهد الفنية) أربعة مباحث, في المبحث الأول تناولنا (الأسد في المشاهد الفنية المنفذة على سطوح الأختام) , وفي المبحث الثاني تناولنا (الأسد في المشاهد الفنية على الألواح الحجرية) والذي يعد توثيقاً حياً لمشاهد صيد الأسود في العصر الآشوري الحديث, وفي المبحث الثالث تناولنا (الأسد في المشاهد الفنية على الأواني الفخارية والحجرية والمعدنية والألواح الفخارية) , والمبحث الرابع تناولنا فيه (الأسد في المشاهد الفنية على نتاجات فنية متنوعة) وتضمن تمثيل الأسد على الدمى والألواح الجدارية النذرية والنحت على العاج والتماثيل المجسمة وغيرها من نتاجات فنية أخرى. ولزاماً علينا أنْ نذكر ما توصلنا إليه من استنتاجات علمية بعد الانتهاء من موضوع الدراسة قد تم ذكرها في خاتمة الرسالة .
وفيما يخص الدراسات السابقة فقد كانت هناك بعض الدراسات التي تطرقت إلى جزئيات من موضوعنا هذا, وتناولته من زوايا مختلفة؛ وأول هذه الدراسات هي رسالة ماجستير للباحث (إبراهيم ناجي حسب الله المفرجي) المقدمة إلى كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد سنة 1987 والموسومة بـ(الأسد في النحت العراقي القديم من عصر الوركاء – جمدة نصر – حتى نهاية العصر الكاشي). هذه الدراسة تناولت النحت الغائر والبارز بأسلوب فني تشريحي بعيد كل البعد عن طريقتنا في معالجة المشاهد الفنية. أمّا الدراسة الثانية فهي عبارة عن بحث أكاديمي للباحثة (رويدة فيصل موسى النواب) تم نشره في مجلة كلية الآداب جامعة بغداد العدد 98 سنة 2015 والموسوم بـ (الأسد في الفكر العراقي القديم التأثير والتأثر دراسة تاريخية تحليلية). وقد ركزت هذه الدراسة بالكامل على الجوانب الفنية . في حين أنّ الدراسة الثالثة وهي بحث أكاديمي أيضاً للباحث (أبا ذر راهي سعدون الزيدي) والذي نشر في مجلة كلية التربية للبنات للعلوم الإنسانية جامعة بغداد العدد (25) السنة الثالثة عشرة في سنة 2019 والموسوم بـ (الأسد في حضارة بلاد الرافدين دراسة فنية – ميثولوجية في ضوء المصادر المسمارية). تناولت الأسد من جانبين: الجانب الأول تمثل بالجانب الفني والجانب الثاني هو الجانب الميثولوجي والذي يشكل مع الجانب الفني الجزء المترابط في تحليل المشاهد الفنية . ومما لا شك فيه أنّ هذه الدراسات السابقة لم تكن كافية لتناول كل ما يتعلق بهذا الحيوان المفترس من جميع الجوانب التي عالجنها في الدراسة إّلا أنّ هذا لا يقلل من أهمية هذه الدراسات إذ رفدت دراستنا ببعض المعلومات من جوانب مختلفة لا سيما في ترتيب تسلسل المشاهد الفنية من الناحية الزمنية، وأفادت أيضاً دراستنا من بعض النصوص المسمارية والمعلومات التاريخية.
واعتمدت الدراسة على جملة من المراجع الأجنبية والعربية وكانت متنوعة الاختصاصات منها الكتب التاريخية والأدبية والفنية والقواميس المسمارية (السومرية والأكدية) فضلاً عن الرسائل والأطاريح الجامعية والبحوث العلمية المنشورة ضمن الدوريات والمجلات العلمية ويمكن تقسيم هذه المراجع إلى ثلاثة أقسام, وهي كالآتي:
1- يضم القسم الأول منها مجموعة قواميس ومراجع رفدت الرسالة بجملة من المفردات (السومرية والأكدية) وما يقابلها باللغتين العربية والإنكليزية؛ ويأتي في مقدمتها قاموس جامعة شيكاغو الآشوري والذي يرمز له بالمختصر (CAD)، والقاموس الأكدي والذي يرمز له بالمختصر (CDA)؛ والقاموس السومري لمؤلفه (Halloran, J, A) المعنون بـ Sumerian Lexicon A Dictionary Guide to the Ancient Sumerian Language, Los Angeles, 2006 والمعجم السومري الذي يرمز له بالمختصر(MSL)، والمعجم الأكدي الذي يرمز له بالمختصر (MDA)، والمعجم الأكدي الذي يرمز له بالمختصر (AHW)، القاموس السومري الذي يرمز له بالمختصر(ESG)، وكتاب الشرق القديم والعهد القديم و والذي رمز له بـ (AOAT) لمؤلفه (Borger, R)، وللباحث الأخير أيضاً القاموس الآشوري الذي رمز له ب (Abz)، و(قاموس العلامات المسمارية) لـ (رينيه لابات) و(قاموس اللغة الأكدية –العربية) لـلباحث (علي ياسين الجبوري) .
2- أمّا القسم الثاني فضمّ مجموعة من المراجع العربية والأجنبية, والتي زودتنا بنصوص مسمارية مهمة نذكر منها كتاب (مقدمة في أدب العراق القديم) للباحث(طه باقر)، و(ديوان الأساطير) بأجزائه الأربعة المهمة جداً للباحث(قاسم الشواف)، وكتب (سهيل قاشا) منها كتابه المعنون بـ(قصيدة الزواج المقدس وسفر نشيد الأناشيد في بلاد مابين النهرين) . أمّا الكتب المترجمة إلى اللغة العربية التي رفدت الرسالة بنصوص مهمة فمنها الكتاب المعنون بـ(المعتقدات الدينية في بلاد وادي الرافدين) للباحث (رينيه لابات) والذي ترجمه إلى العربية (الأب البير ابونا ووليد الجادر)،والكتاب المعنون بـ(أدب الحكمة البابلي) للباحث (لامبرت) الذي ترجمه إلى العربية (حسان محمود الشهواني)، ومن الكتب الأخرى الكتاب المعنون بـ(الأساطير في حضارة وادي الرافدين) للباحث (بوهوسلاف هروشكا وآخرون) ترجمة (عصام عبد اللطيف احمد) وغيرها من كتب أخرى مهمة. واعتمدت الدراسة على عدد من المصادر الأجنبية منها الكتاب الذي يرمز له بالمختصر (ARAB) بجزئية (الأول والثاني) لمؤلفه (D, D, LUCKENBILL). وكتاب الباحث (R.B.FOSTER) المعنون بـ
Before The Muses An Anthology of Akkadian Literature, 1996
بجزئية (الأول والثاني) وكتاب موسوعة نصوص الشرق الأدنى القديم الذي يرمز له بالمختصر (ANET) لمؤلفه (J, Pritchard) .
3- في حين ضم القسم الثالث مجموعة من المصادر رفدت الرسالة بمشاهد فنية في غاية الأهمية منها الكتاب المعنون بـ(Art And Empirs Treasures From Assyria in the British Museum) لمؤلفيه (J, E.Curtis &J.E.Reade)، والكتب الخاصة بالأختام مثل كتاب (Cylinder Seals) لمؤلفه (H, Frankfort) وكتاب (صبحي أنور رشيد) (تاريخ الفن في العراق القديم فن الأختام الأسطوانية) وكتاب (الأختام الأكدية في المتحف العراقي) لمؤلفيه (صبحي أنور رشيد وحياة عبد علي الحوري) والكتاب المعنون بـ(كشوفات وتأويلات سيميائية في فنون حضارة وادي الرافدين) لمؤلفه (هاني محي الدين النعيمي) .
وقد اعتمدنا في دراستنا على المنهجين الوصفي والتحليلي في قراءة وتحليل النصوص المسمارية والمشاهد الفنية المتوفرة لدينا في المصادر المختلفة، الأمر الذي تطلب منا تنظيم المادة العلمية وتصنيفها حسب متطلبات الدراسة للخروج بدراسة وافية وواضحة بينت الأمور المتعلقة بموضوع الدراسة. وننوه إلى أنّ الرسالة لم تخل من صعوبات شكلت حاجزاً اعترضت طريق البحث لعل أهمها ترجمة العديد من المصادر الأجنبية التي جاء بعضها بشكل مضطرب مما تطلب بذل الجهود في ضبط حركة الترجمة للنصوص وتوثيقها قبل الاعتماد على المقارنة والمطابقة وصولاً إلى نص سليم مما أستلزم جهداً ووقتاً طويلاً . وختاماً نسأل الله تعالى أنْ