لقد انطلقت الدارسات التحليلية الحديثة في مقاربتها لتبديات الدين وتدخلاته وحجم هذا التدخل ونطاقه في محددات المجتمعات, والمتخيل فيها, وتفكيك هذه المحددات بنقدها أو نقلها الخالص، يستوجب دراسة الدين برؤيتهِ الكلاميةِ وقوانينهِ الفقهية ونزعتهِ الروحية والتباسات التاريخ فيه. بوصفه معطى علميًّا موضوعيًّا جديرًا بالدراسةِ مثله في ذلك مثل أي ظاهرة, فلا يحق للدراسات الحديثة أن تُهمل وجوده وتأثيراته الحاسمة بحجة أنّه وهم أو متخيل أو هوية مغلقة .
مما لا شك فيه أنَّ التساؤلات الحاسمة والاستطلاعات المأخوذة من علوم الإنسان والمجتمع أصبحت ضرورة علمية لاختبار قدرة النص الدينيَّ على الصمودِ والوفاءِ بعهودهِ .
ومن هذه الضرورة انطلقت مجمل العلوم الدينية الإسلامية لاحتواء الحضور في ثنائيات صريحة: ثنائية الدين والفلسفة, التراث والحداثة, الماضي والحاضر, والمقدس والمدنس, الدين والعلوم الطبيعية , الدين والفنون .
وبما أنَّ الشريعة الإسلامية - ويتبعها الفقه لكونه فهما لها- مسؤولة بشكل مباشر عن تقديم مخرجات فاعلة وحضارية عن هذه الثنائيات وغيرها . فقد صاغت وقدمت واحدة من أبرز المخرجات والأصول التي اشتغل عليها العقل الإسلامي ولقيت ترحيبًا في العصر الحديث وهو الاجتهاد المناطي والمقاصدي والعللي ليتعدى بها العقل الديني من حرفيات النصوص إلى اجتهادات المعاني , بعد أنْ يقف على مكوناتِها وغايتِها وعللِها.
ومن هذه المسارات ولد البحث في حكمة التشريع الأحكام أو فلسفتها, إلَّا أنَّ سيطرة العقل التراثي ونزعته ضعَّف من حضور منهج تعليل الأحكام في القرون الأوْلى لاعتبارات مختلفة حتى عصر المقاصد, الذي ابتدأ بشكلٍ واضحٍ مع إمام الحرمين الجويني ونضج مع الشاطبي ثم عانت فلسفة التشريع غيابًا طويلًا إلى عصر النهضة مع الشيخ محمد عبدُه ومحمد رشيد رضا والطاهر بن عاشور, وقد وحاولوا أن يجعلوا فيها مخرجًا من التباسات التاريخ والنص والفهم التراثي.
وبما أن هذه الدراسة اختصت بالتكشيف عن حِكمة الأحكام الشرعية أو فلسفتها, جاء العنوان موسومًا بـ( حِكمة التشريع في المدونات التفسيرية المعاصرة ) محاولًا دراسة المدونات التفسيرية وحضور فلسفة التشريع فيها لنتساءل: هل كانت تعي حجم الفائدة من بيان هذه العلل من الخطاب انطلاقًا من أنَّ الحكيم العليم عندما يُشرع حمكًا فلا بد له من رعاية المصلحة وهي حِكمة الحُكم, وإلّا يكون تشريعه لغوًا وعبثًا وحاشا للحكيم سبحانه.
ومن المَعْلومِ أن مهمةَ فلسفة التشريع ذات مديات وأبعاد عميقة تتجاوز المنهج الماهوي التقليدي لعلم أصول الفقه, بالرغم من أنَّ فلسفة التشريع وحِكمة الأحكام نشأت في رحم بحوث علم أصول الفقه, وتغذت في هذا الفضاء, إلَّا أنَّ فلسفة التشريع اتسعت لتشمل مباحث حديثة لم يسبق أن تعرض لها علم الأصول: كمعرفة أهداف التشريع والمساحة التي يشغلها من الدين, وتوسع مصادر التشريع, ومدى مدخلية الزمان والمكان في تغيُّر الأحكام لحِكمة يقتضيها الزمان أو المكان, وتأثِير الظروف التاريخية في تطور الاستدلال الفقهي, وتأثِير الظروف الاجتماعية في الاستنباط الفقهي, وأثرها في اتساع دائرة آيات الأحكام, واختلاف مسبقات الفقيه وأثرها في صناعته, وأثر الرؤية الكونية والثقافية والكلامية في كيفية استنطاق النص الديني وفهمه .
ولا بد من أن ننوه إلى أن فلسفة التشريع لا زالت لم تنضج بعد فهي في طور النمو إلى يومنا هذا.
أساتذتي الأفاضل، الحضور الكريم:
إنَّ إشكاليةَ البحث التفسيرية في رسالتي تكمن في حِكمة التشريع نفسه, لأنّها تتضمن الإشكالية الأساسية التي عانت منها مدارس نفي القياس والرأي, ما يلزمه من لملمة أوراق القواعد الاجتهادية من قبيل النظر في: العلة المنصوصة أو تنقيح المناط (العلة المستنبطة), ومناسبة الحكم والموضوع, ومذاق الشارع وغير ذلك, فالمفسر عندما يستهدف بيان الحِكمة من الخطاب إنَّما يأخذ بنظر الاعتبار القواعد الاجتهادية التي أشرنا إليها, ومرجعيات الظن فيها بوصفها علة ناقصة أو غير يقينية في أغلبها .
وهذا يلزم دراسة الدلالات التي تتحكم بالحكم الشرعي توسعةً وتضييقًا, وهي ( الدلالة الحرفية للنص, والمقاصدية, والعقلية, والواقعية التزامنية) . وهذه الدلالات هي الأخرى مختلف فيها.
الدراسات السابقة :
ثمَّة دراسات تناولت حكمة التشريع من الجانت النظري والتطبيقي معًا , وأهمها :
1- معارج الأصول , المحقق الحلي , الجزء الأول / 183 .
2- أجود التقريرات, المحقق النائيني, 2/ 489- 499 .
3- حكمة التشريع وفلسفته, للشيخ علي أحمد الجرجاوي, تحقيق: خالد العطار, طبعت طبعته الثانية في دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع, سنة 1418ه- 1997م.
4- مواهب البديع في حكمة التشريع, عبد القادر معروف السنندجي, طبعت طبعته الأولى في مطبعة كردستان العلمية, سنة: 1329هـ .
5- فلسفة التشريع في الإسلام, صبحي رجب محمصاني, طبعت طبعته الثانية في دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع, سنة: 1371ه- 1952م.
ويظهر لي في ظل معاينة هذه الدراسات السابقة والوقوف على فصولها ومباحثها وخُطواتها أنّها لم تشر إلى حِكمة التشريع عند المفسرين, بينما تكتنز المدونات التفسيرية المعاصرة بشكل خاص على كشف أسرار ملغزة لم يلتفت إليها المفسرون السابقون, ومن هنا يقع الاختلاف بين دراستي هذه والدراسات السابقة التي أشرت إليها, ولا بد من الإشارة إلى أنَّ هذه الدراسات السابقة تنتهج منهجًا فقهيًّا تقليديًّا في اتجاهٍ خاصٍ كالاتجاه السُّنِّي ومدوناته الفقهية أو الإمامي, إذ تُناقش قوانين وأحكام التشريع في الإسلام والمبادئ الأخلاقية والأصول الفقهية في هذين الاتجاهين , بينما يسلك بحثي منهجًا تفسيريًا قائمًا على عرض النصوص وتحليلها واستقرائها في إطار المدونات التفسيرية المعاصرة من جميع الاتجاهات والمذاهب. أضف إلى ذلك الوقوف على المنطلقات الرئيسة لحكمة التشريع وما مرّت به من مراحل وأدوار تعدُّ مدارج للتطور والتجديد ومسوغات له .
وأما نقطة الفراغ التي تعالجها هذه الدراسة هي الآتي: ( أولًا- بيان مساحة الاشتغال في حكمة التشريع عند الأمامية . ثانيًا- كشف حِكم الأحكام الشرعية في المدونات التفسيرية المعاصرة )
خطة الدراسة :
بعد الاستقراء والمتابعة, وجمع المادة العلميةِ المتّصلة بالدّراسة, شرَعْتُ بِرَسْمِ هيكلية خطَّة لها على وسْم منهج أخالهُ منسجِمًا ومتّسقًا مع عنوان الرِّسالة, فاقتضى الأمرُ أن تكون الخُطّةُ على تمهيد وثلاثةِ فصُول, ثُمَّ أتبعتُها بخاتمةٍ تضمَّنتْ أهم النتائج ولحقتها أخيرًا بقائمة المصادر والمراجع .
المقدمة: ضمّتْ بيانًا لدواعي كتابة هذه الدراسة, ومشكلة البحث, وأهميته, وصعوبته, والدراسات السابقة .
المبحث التمهيدي: وفيه عمد الباحث إلى إيجاد مقارباتٍ لغويّةٍ واصطلاحيّةٍ لعنوانات البحث عن طريق تتبّع الدلالات اللغويّة في المعاجم اللغويّة المعتمدة والتي تمثّل أصول الجذور اللغويّة للمفردات اللغويّة . والمعاجم الاصطلاحيّة التي تناولت بعض المصطلحات الخاصّة ببحثنا، مع إضافة الوجوه والنظائر في بعض المصطلحات التي لها صلة وعلاقة بمصطلح الحكمة.
الفصل الأول: وفيه تناول البحث آيات التشريع الإسلامي بوصفها الأسس النظريّة التي بُنيت على الحِكم التشريعية, وتكشيف ذلك من داخل النص ومدوناته التفسيرية, والعوامل المساعدة التي تدلنا عليها . ثم ملاحقة جهود علماء المسلمين في اشتغالهم على تنقيح مناطات الأحكام وقواعد التعدي على حرفية النص, وكيف أثرت في فهم النص الديني. وقد جاء هذا الفصل في مبحثين:
المبحث الأول: تناول المساحة التي تشغلها آيات التشريع الاسلامي في داخل النصّ ومدوناته التفسيرية بوصفها المرحلة الأولى, في البحث عن حكمة التشريع, ثم أدوار هذا التشريع عند التيّارات الفكريّة المذهبية ورؤيتهم في تطور أصول الاستنباط الفقهي. ففريق فعَّل دور العلة والحكمة واشتغل عليها, وآخر جمدها على مستوى التنظير لا التطبيق .
المبحث الثاني : درستُ في هذا المبحث العوامل والمرتكزات أو الأدوات المساعدة في تكشيف الحُكم الشرعي, ودورها في انتاج الحِكم وأنماطها وتمثُّلاتها في داخل النص بوصفه الإطار المرجعي.
أما في الفصل الثاني: فقد تعرضت للدور الذي تلعبه الدلالة الحرفية والعقلية والمقاصدية والتزامنية, في إنتاج الأحكام وتغيُّرها خلافًا للمنهج الماهوي التقليدي إذ لا يعنيه عادة التركيز على مناطات الأحكام وملاكاتها تبعًا للاشكال الحرفية الظاهرة في النص, مما يجعل أفكارها تتضارب بين مطالب الخطاب الشرعي ومقاصده . لذا كان لزامًا عليَّ أن أدرس بعض الدلالات المعرفية التي تؤثر في الحكم الشرعي تحديدًا و تغييرًا , وتبديات هذه الدلالة في حكمة التشريع و مآلاتها في رؤية المفسر للتحليل وتصويب الأفكار لكشف آليات الفهم الديني وكيفيته. وجاء هذا الفصل على أربعة مباحث, إذ درستُ كل دلالة في مبحثٍ خاص بها.
الفصل الثالث: وفيه تناولت التطبيق ملتزمًا بما أُسّس في فصول السابقة, وقد فعَّلتُ في هذا التطبيق دور الدلالات التي ذكرتها في الفصل الثاني, وكيف كشفت عن الحكم وحكمته. وجاء الفصل بمباحث ثلاثة:
المبحث الأول: انعقد الكلام فيه على نماذج من الأحكام العبادية كالحكمة من تشريع الجهاد والحج والصوم .
وفي المبحث الثاني: كانت النماذج التطبيقية من نصيب قضايا المعاملات, كالحكمة من تشريع الزواج والقرض والرهن.
وأما نماذج المبحث الثالث: فكانت في الحكمة من تشريع الحدود, كالحكمة من تشريع حد السرقة, والحكمة من قتل المرتد في الإسلام .
الخاتمة: ضَمّتْ أهم النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة .
أما المصادر والمراجع: فقد توزعتْ حسب ما تقتضيه طبيعة البحث بين كتب الفقه, والأصول, والحديث, والتفسير, واللغة, وكان على رأس هذه المصادر القرآن الكريم.
إن البحث في حِكمة التشريع الأحكام أو فلسفتها بحث مستمر باستمرار حركة الإنسان وتوسع أفهامه ومداركه, في كشف مآلات الأحكام الشرعية, إذ لا أزعم لنفسي استيفاءً كاملًا للموضوعِ دون سقطات أو هنات فكرية . ولكن حسبي أنَّي ساهمتُ وبذلتُ جهدًا في هذا الباب الواسع, عسى أنْ يوفقني الله لخدمة المعرفة, فإن أصبت فهو المراد والغاية, وإنْ وقعت في الخطأ فمِن الواجب نقدي وتقويمي, وترميم ما قدمته, فحسبي لم أُرِدْ ذلك وأشكر مَن وجهني .
وقبل أن أضع نقطة النهاية, لا يسعَ القلبُ والعقل إلّا أن يتهافت انجذابًا وشكرًا لأستاذي الدكتور حيدر شوكان سعيد فأشكره على جميل الثناء, واقتراح العنوان, وإسعافي بالملاحظات والأفكار والتقويمات السديدة.
والشكر الجزيل والثناء الجميل إلى عمادة كليتنا لرعايتها العلمية ، متمثلة بالأستاذ الدكتور حسن عبيد المعموري المحترم.
وأتقدم بوافر الشكر إلى أساتيذِي في قسم علوم القرآن، ولا سيَّما رئيسهُ الأستاذ الدكتور حيدر الشلاه الموقر. أسأل الله أن يحفظهم جميعًا.
وأما الجهد المبذول في هذه الرسالة، فأقدمه إلى (أبي وأمي) حبًا ومحبةً وطاعةً، وخفض جناح.
لقد انطلقت الدارسات التحليلية الحديثة في مقاربتها لتبديات الدين وتدخلاته وحجم هذا التدخل ونطاقه في محددات المجتمعات, والمتخيل فيها, وتفكيك هذه المحددات بنقدها أو نقلها الخالص، يستوجب دراسة الدين برؤيتهِ الكلاميةِ وقوانينهِ الفقهية ونزعتهِ الروحية والتباسات التاريخ فيه. بوصفه معطى علميًّا موضوعيًّا جديرًا بالدراسةِ مثله في ذلك مثل أي ظاهرة, فلا يحق للدراسات الحديثة أن تُهمل وجوده وتأثيراته الحاسمة بحجة أنّه وهم أو متخيل أو هوية مغلقة .
مما لا شك فيه أنَّ التساؤلات الحاسمة والاستطلاعات المأخوذة من علوم الإنسان والمجتمع أصبحت ضرورة علمية لاختبار قدرة النص الدينيَّ على الصمودِ والوفاءِ بعهودهِ .
ومن هذه الضرورة انطلقت مجمل العلوم الدينية الإسلامية لاحتواء الحضور في ثنائيات صريحة: ثنائية الدين والفلسفة, التراث والحداثة, الماضي والحاضر, والمقدس والمدنس, الدين والعلوم الطبيعية , الدين والفنون .
وبما أنَّ الشريعة الإسلامية - ويتبعها الفقه لكونه فهما لها- مسؤولة بشكل مباشر عن تقديم مخرجات فاعلة وحضارية عن هذه الثنائيات وغيرها . فقد صاغت وقدمت واحدة من أبرز المخرجات والأصول التي اشتغل عليها العقل الإسلامي ولقيت ترحيبًا في العصر الحديث وهو الاجتهاد المناطي والمقاصدي والعللي ليتعدى بها العقل الديني من حرفيات النصوص إلى اجتهادات المعاني , بعد أنْ يقف على مكوناتِها وغايتِها وعللِها.
ومن هذه المسارات ولد البحث في حكمة التشريع الأحكام أو فلسفتها, إلَّا أنَّ سيطرة العقل التراثي ونزعته ضعَّف من حضور منهج تعليل الأحكام في القرون الأوْلى لاعتبارات مختلفة حتى عصر المقاصد, الذي ابتدأ بشكلٍ واضحٍ مع إمام الحرمين الجويني ونضج مع الشاطبي ثم عانت فلسفة التشريع غيابًا طويلًا إلى عصر النهضة مع الشيخ محمد عبدُه ومحمد رشيد رضا والطاهر بن عاشور, وقد وحاولوا أن يجعلوا فيها مخرجًا من التباسات التاريخ والنص والفهم التراثي.
وبما أن هذه الدراسة اختصت بالتكشيف عن حِكمة الأحكام الشرعية أو فلسفتها, جاء العنوان موسومًا بـ( حِكمة التشريع في المدونات التفسيرية المعاصرة ) محاولًا دراسة المدونات التفسيرية وحضور فلسفة التشريع فيها لنتساءل: هل كانت تعي حجم الفائدة من بيان هذه العلل من الخطاب انطلاقًا من أنَّ الحكيم العليم عندما يُشرع حمكًا فلا بد له من رعاية المصلحة وهي حِكمة الحُكم, وإلّا يكون تشريعه لغوًا وعبثًا وحاشا للحكيم سبحانه.
ومن المَعْلومِ أن مهمةَ فلسفة التشريع ذات مديات وأبعاد عميقة تتجاوز المنهج الماهوي التقليدي لعلم أصول الفقه, بالرغم من أنَّ فلسفة التشريع وحِكمة الأحكام نشأت في رحم بحوث علم أصول الفقه, وتغذت في هذا الفضاء, إلَّا أنَّ فلسفة التشريع اتسعت لتشمل مباحث حديثة لم يسبق أن تعرض لها علم الأصول: كمعرفة أهداف التشريع والمساحة التي يشغلها من الدين, وتوسع مصادر التشريع, ومدى مدخلية الزمان والمكان في تغيُّر الأحكام لحِكمة يقتضيها الزمان أو المكان, وتأثِير الظروف التاريخية في تطور الاستدلال الفقهي, وتأثِير الظروف الاجتماعية في الاستنباط الفقهي, وأثرها في اتساع دائرة آيات الأحكام, واختلاف مسبقات الفقيه وأثرها في صناعته, وأثر الرؤية الكونية والثقافية والكلامية في كيفية استنطاق النص الديني وفهمه .
ولا بد من أن ننوه إلى أن فلسفة التشريع لا زالت لم تنضج بعد فهي في طور النمو إلى يومنا هذا.
أساتذتي الأفاضل، الحضور الكريم:
إنَّ إشكاليةَ البحث التفسيرية في رسالتي تكمن في حِكمة التشريع نفسه, لأنّها تتضمن الإشكالية الأساسية التي عانت منها مدارس نفي القياس والرأي, ما يلزمه من لملمة أوراق القواعد الاجتهادية من قبيل النظر في: العلة المنصوصة أو تنقيح المناط (العلة المستنبطة), ومناسبة الحكم والموضوع, ومذاق الشارع وغير ذلك, فالمفسر عندما يستهدف بيان الحِكمة من الخطاب إنَّما يأخذ بنظر الاعتبار القواعد الاجتهادية التي أشرنا إليها, ومرجعيات الظن فيها بوصفها علة ناقصة أو غير يقينية في أغلبها .
وهذا يلزم دراسة الدلالات التي تتحكم بالحكم الشرعي توسعةً وتضييقًا, وهي ( الدلالة الحرفية للنص, والمقاصدية, والعقلية, والواقعية التزامنية) . وهذه الدلالات هي الأخرى مختلف فيها.
الدراسات السابقة :
ثمَّة دراسات تناولت حكمة التشريع من الجانت النظري والتطبيقي معًا , وأهمها :
1- معارج الأصول , المحقق الحلي , الجزء الأول / 183 .
2- أجود التقريرات, المحقق النائيني, 2/ 489- 499 .
3- حكمة التشريع وفلسفته, للشيخ علي أحمد الجرجاوي, تحقيق: خالد العطار, طبعت طبعته الثانية في دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع, سنة 1418ه- 1997م.
4- مواهب البديع في حكمة التشريع, عبد القادر معروف السنندجي, طبعت طبعته الأولى في مطبعة كردستان العلمية, سنة: 1329هـ .
5- فلسفة التشريع في الإسلام, صبحي رجب محمصاني, طبعت طبعته الثانية في دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع, سنة: 1371ه- 1952م.
ويظهر لي في ظل معاينة هذه الدراسات السابقة والوقوف على فصولها ومباحثها وخُطواتها أنّها لم تشر إلى حِكمة التشريع عند المفسرين, بينما تكتنز المدونات التفسيرية المعاصرة بشكل خاص على كشف أسرار ملغزة لم يلتفت إليها المفسرون السابقون, ومن هنا يقع الاختلاف بين دراستي هذه والدراسات السابقة التي أشرت إليها, ولا بد من الإشارة إلى أنَّ هذه الدراسات السابقة تنتهج منهجًا فقهيًّا تقليديًّا في اتجاهٍ خاصٍ كالاتجاه السُّنِّي ومدوناته الفقهية أو الإمامي, إذ تُناقش قوانين وأحكام التشريع في الإسلام والمبادئ الأخلاقية والأصول الفقهية في هذين الاتجاهين , بينما يسلك بحثي منهجًا تفسيريًا قائمًا على عرض النصوص وتحليلها واستقرائها في إطار المدونات التفسيرية المعاصرة من جميع الاتجاهات والمذاهب. أضف إلى ذلك الوقوف على المنطلقات الرئيسة لحكمة التشريع وما مرّت به من مراحل وأدوار تعدُّ مدارج للتطور والتجديد ومسوغات له .
وأما نقطة الفراغ التي تعالجها هذه الدراسة هي الآتي: ( أولًا- بيان مساحة الاشتغال في حكمة التشريع عند الأمامية . ثانيًا- كشف حِكم الأحكام الشرعية في المدونات التفسيرية المعاصرة )
خطة الدراسة :
بعد الاستقراء والمتابعة, وجمع المادة العلميةِ المتّصلة بالدّراسة, شرَعْتُ بِرَسْمِ هيكلية خطَّة لها على وسْم منهج أخالهُ منسجِمًا ومتّسقًا مع عنوان الرِّسالة, فاقتضى الأمرُ أن تكون الخُطّةُ على تمهيد وثلاثةِ فصُول, ثُمَّ أتبعتُها بخاتمةٍ تضمَّنتْ أهم النتائج ولحقتها أخيرًا بقائمة المصادر والمراجع .
المقدمة: ضمّتْ بيانًا لدواعي كتابة هذه الدراسة, ومشكلة البحث, وأهميته, وصعوبته, والدراسات السابقة .
المبحث التمهيدي: وفيه عمد الباحث إلى إيجاد مقارباتٍ لغويّةٍ واصطلاحيّةٍ لعنوانات البحث عن طريق تتبّع الدلالات اللغويّة في المعاجم اللغويّة المعتمدة والتي تمثّل أصول الجذور اللغويّة للمفردات اللغويّة . والمعاجم الاصطلاحيّة التي تناولت بعض المصطلحات الخاصّة ببحثنا، مع إضافة الوجوه والنظائر في بعض المصطلحات التي لها صلة وعلاقة بمصطلح الحكمة.
الفصل الأول: وفيه تناول البحث آيات التشريع الإسلامي بوصفها الأسس النظريّة التي بُنيت على الحِكم التشريعية, وتكشيف ذلك من داخل النص ومدوناته التفسيرية, والعوامل المساعدة التي تدلنا عليها . ثم ملاحقة جهود علماء المسلمين في اشتغالهم على تنقيح مناطات الأحكام وقواعد التعدي على حرفية النص, وكيف أثرت في فهم النص الديني. وقد جاء هذا الفصل في مبحثين:
المبحث الأول: تناول المساحة التي تشغلها آيات التشريع الاسلامي في داخل النصّ ومدوناته التفسيرية بوصفها المرحلة الأولى, في البحث عن حكمة التشريع, ثم أدوار هذا التشريع عند التيّارات الفكريّة المذهبية ورؤيتهم في تطور أصول الاستنباط الفقهي. ففريق فعَّل دور العلة والحكمة واشتغل عليها, وآخر جمدها على مستوى التنظير لا التطبيق .
المبحث الثاني : درستُ في هذا المبحث العوامل والمرتكزات أو الأدوات المساعدة في تكشيف الحُكم الشرعي, ودورها في انتاج الحِكم وأنماطها وتمثُّلاتها في داخل النص بوصفه الإطار المرجعي.
أما في الفصل الثاني: فقد تعرضت للدور الذي تلعبه الدلالة الحرفية والعقلية والمقاصدية والتزامنية, في إنتاج الأحكام وتغيُّرها خلافًا للمنهج الماهوي التقليدي إذ لا يعنيه عادة التركيز على مناطات الأحكام وملاكاتها تبعًا للاشكال الحرفية الظاهرة في النص, مما يجعل أفكارها تتضارب بين مطالب الخطاب الشرعي ومقاصده . لذا كان لزامًا عليَّ أن أدرس بعض الدلالات المعرفية التي تؤثر في الحكم الشرعي تحديدًا و تغييرًا , وتبديات هذه الدلالة في حكمة التشريع و مآلاتها في رؤية المفسر للتحليل وتصويب الأفكار لكشف آليات الفهم الديني وكيفيته. وجاء هذا الفصل على أربعة مباحث, إذ درستُ كل دلالة في مبحثٍ خاص بها.
الفصل الثالث: وفيه تناولت التطبيق ملتزمًا بما أُسّس في فصول السابقة, وقد فعَّلتُ في هذا التطبيق دور الدلالات التي ذكرتها في الفصل الثاني, وكيف كشفت عن الحكم وحكمته. وجاء الفصل بمباحث ثلاثة:
المبحث الأول: انعقد الكلام فيه على نماذج من الأحكام العبادية كالحكمة من تشريع الجهاد والحج والصوم .
وفي المبحث الثاني: كانت النماذج التطبيقية من نصيب قضايا المعاملات, كالحكمة من تشريع الزواج والقرض والرهن.
وأما نماذج المبحث الثالث: فكانت في الحكمة من تشريع الحدود, كالحكمة من تشريع حد السرقة, والحكمة من قتل المرتد في الإسلام .
الخاتمة: ضَمّتْ أهم النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة .
أما المصادر والمراجع: فقد توزعتْ حسب ما تقتضيه طبيعة البحث بين كتب الفقه, والأصول, والحديث, والتفسير, واللغة, وكان على رأس هذه المصادر القرآن الكريم.
إن البحث في حِكمة التشريع الأحكام أو فلسفتها بحث مستمر باستمرار حركة الإنسان وتوسع أفهامه ومداركه, في كشف مآلات الأحكام الشرعية, إذ لا أزعم لنفسي استيفاءً كاملًا للموضوعِ دون سقطات أو هنات فكرية . ولكن حسبي أنَّي ساهمتُ وبذلتُ جهدًا في هذا الباب الواسع, عسى أنْ يوفقني الله لخدمة المعرفة, فإن أصبت فهو المراد والغاية, وإنْ وقعت في الخطأ فمِن الواجب نقدي وتقويمي, وترميم ما قدمته, فحسبي لم أُرِدْ ذلك وأشكر مَن وجهني .
وقبل أن أضع نقطة النهاية, لا يسعَ القلبُ والعقل إلّا أن يتهافت انجذابًا وشكرًا لأستاذي الدكتور حيدر شوكان سعيد فأشكره على جميل الثناء, واقتراح العنوان, وإسعافي بالملاحظات والأفكار والتقويمات السديدة.
والشكر الجزيل والثناء الجميل إلى عمادة كليتنا لرعايتها العلمية ، متمثلة بالأستاذ الدكتور حسن عبيد المعموري المحترم.
وأتقدم بوافر الشكر إلى أساتيذِي في قسم علوم القرآن، ولا سيَّما رئيسهُ الأستاذ الدكتور حيدر الشلاه الموقر. أسأل الله أن يحفظهم جميعًا.
وأما الجهد المبذول في هذه الرسالة، فأقدمه إلى (أبي وأمي) حبًا ومحبةً وطاعةً، وخفض جناح.